لا تحتاج الأسعار في لبنان إلى سببٍ كي ترتفع. يكفي تعميم، أو قرارٌ على طاولة مجلس الوزراء، أو تلميحٌ إلى “تحديث” رسمٍ قديم، حتى يبدأ التسعير كأنه سباق: من يرفع أولاً، ومن يرفع أكثر. أمّا حين تنخفض الأكلاف—بنزيناً أو نقلاً أو ضغطاً موسمياً—فالسوق تتقن لعبة النسيان. هنا لا نتحدث عن خللٍ تقني في التسعير، بل عن سلوكٍ مزمن: الزيادة تُترجم فوراً، والانخفاض يُدفن بصمت.

في الأيام الأخيرة، فتحت الدولة باباً جديداً للجباية عبر مسارات متزامنة: رسم المستوعبات في المرافئ، وضريبة البنزين، واحتمال زيادة ضريبة القيمة المضافة. ورغم أن السلطة تُقدّم هذه الخطوات بوصفها “تحسيناً للإيرادات”، فإن الواقع يقول شيئاً أبسط وأقسى: كل قرار ضريبي، في سوقٍ بلا رقابة، يتحول تلقائياً إلى رخصة مفتوحة لرفع الأسعار… وتوسيع هوامش الربح.


نبشٌ في الأدراج بدل إصلاحات جدّية

بدلاً من فتح ملفات الهدر، أو إعادة تنظيم الإنفاق العام، أو بناء إدارة قادرة على ضبط السوق، تبدو الحكومة كمن يمارس صيداً سريعاً في الأرشيف: بندٌ منسيّ هنا، تعرفة مهملة هناك… ثم “تحديث” بالدولار.
أوضح مثال: رسم المستوعبات.
كان يُستوفى وفق تعرفة قديمة بالليرة (80 ألفاً للمستوعب 20 قدماً و120 ألفاً للمستوعب 40 قدماً). فجأة تقرر رفعه إلى:

  • 50 دولاراً للمستوعب 20 قدماً
  • 80 دولاراً للمستوعب 40 قدماً وما فوق

قد يختلف الاقتصاديون على مدى انعكاس هذا الرسم مباشرة على وحدة السلعة. لكن السوق لا تدخل من باب “النسبة الفعلية”؛ السوق تدخل من باب “الذريعة”: رسم جديد؟ إذاً تسعيرة جديدة.


رسم قديم بلباس جديد… والسوق جاهزة لاستغلاله

هذا الرسم ليس ابن اليوم. جذوره تعود إلى منظومة الرسوم المرفئية القديمة، ثم جرى تكريسه لاحقاً عبر تشريعات موازنات وتعديلات، قبل أن يُعاد تثبيته عملياً بقرار تطبيقي في 2017 حدّد آلية الاستيفاء عبر إيصالات تصدرها إدارة الجمارك، مع استثناء مستوعبات الترانزيت.
أي إننا أمام رسمٍ مُعاد تدويره، لكن المشكلة ليست في “العمر القانوني” للرسم، بل في البيئة التي يتنفس فيها: بيئة تُحوّل أي رسم إلى موجة تسعير مسبقة، وتترك المستهلك وحيداً أمام الفاتورة.


التجار لا يرفضون الضريبة… يرفضون أن تُمس أرباحهم

اعتراضات كثير من التجار ليست على مبدأ فرض الرسوم بحدّ ذاته. هم يمانعونها فقط حين يشعرون أنها قد تُحرجهم أمام الرأي العام، أو حين لا تقترن بإجراءات داخل الدولة تسمح لهم بتبرير موقفهم. أمّا في الجوهر، فهم لا يمانعون الضريبة طالما أن القاعدة ستبقى كما هي: المستهلك يدفع.

والأكثر استفزازاً أن هذا النقاش يجري غالباً مع وزارة الاقتصاد كأنه حوارٌ حول “الجباية”، فيما السؤال المفترض غائب أو مُغيّب:
إذا كانت كل زيادة ستُنقل للمستهلك فوراً… لماذا لا يُفتح ملف هوامش الأرباح؟ ولماذا لا يُطلب خفضها؟
الجواب الواقعي تعرفه الأسواق: لأن الضغط الحقيقي على الهوامش يحتاج دولة تراقب وتضبط وتُعاقب. وهذه الدولة—حتى الآن—غير موجودة في السوق إلا كجابي ضرائب.


“الأثر محدود”… لكن السوق لا تبيع الحقيقة، بل تبيع التبرير

بعض ممثلي القطاعات الإنتاجية والغذائية يميلون إلى التقليل من أثر رسم المستوعبات على سعر السلعة، بحجة أن كلفة المستوعب نفسها مرتفعة، وأن توزيع الرسم على كمية كبيرة من البضائع يجعل انعكاسه على “وحدة السلعة” ضئيلاً.
هذا الكلام قد يكون صحيحاً حسابياً… لكنه لا يلزم السوق بشيء.
السوق لا تُسعّر وفق الحسابات العادلة، بل وفق ما تسمح به اللحظة النفسية: كل قرار ضريبي يتحول إلى شماعة، والشماعة تتحول إلى موجة.


البنزين: المطرقة التي تضرب كل سلسلة الأسعار

إذا كان رسم المستوعبات يُستخدم كعنوان، فإن البنزين هو العامل الذي يضرب على الأرض مباشرة. لبنان بلد تُنقل فيه البضائع بالسيارات والشاحنات يومياً: من المرفأ إلى المستودعات، ومن المستودعات إلى محال الجملة، ثم إلى نقاط البيع.
والسلع اليومية—الخضر، الفواكه، المواد الطازجة—أكثر هشاشة، لأنها تحتاج نقلًا متكرراً وسريعاً. أي زيادة على المحروقات تترجم بسرعة إلى كلفة تشغيل أعلى… ثم إلى تسعير أعلى.

لكن حتى هنا، المشكلة لا تُختصر بالبند نفسه، لأن التجربة أثبتت أن انخفاض أكلاف النقل حين تراجع سعر البنزين لم يؤدّ إلى انخفاض الأسعار. ما يعني أن القضية ليست “كلفة” فقط؛ القضية هي أن التسعير في لبنان فقد العلاقة الطبيعية بين ارتفاع الأكلاف وانخفاضها. العلاقة باتت باتجاه واحد: صعود دائم.


الـVAT: “نقطة واحدة” في الخطاب… ورافعة تضخيم في السوق

أما ضريبة القيمة المضافة، فهي سلاح تضخيم جاهز لأن احتسابها يتم على السعر النهائي، ولأن مجرد الحديث عنها يمنح السوق مادة مثالية لتسعير استباقي. والناس، الذين يسمعون “زيادة نقطة”، يكتشفون في الفاتورة أن الإحساس أكبر بكثير من الرقم، خصوصاً حين تتحول الزيادة إلى فرصة لإعادة تسعير عامة تتجاوز حدود الضريبة نفسها.


عملياً، التجار سيحمّلون السلع كل زيادة: نقل، رسوم مرفأ، رسم مستوعبات، وVAT. هذا متوقع.
غير المتوقع—وهو ما يحدث فعلاً—أن تتحول هذه الزيادات إلى فرصة لتوسيع الربح لا لتعويض الكلفة فقط، لأن السوق تعمل بلا كوابح: لا شفافية للهامش، لا رقابة فعالة، ولا عقوبات تلمس كبار اللاعبين.

والخوف الحقيقي لدى كثيرين ليس على “الاقتصاد” ولا على “الاستقرار”، بل على شيء واحد: أن تؤدي موجة الزيادات إلى تراجع الاستهلاك. أي أن القلق ليس على الناس… بل على السوق حين تفرغ جيوب الزبائن.


في لبنان، لا تُصنع الأسعار في دفاتر الحسابات، بل في فراغ الرقابة. كل ضريبة تمرّ تتحول فوراً إلى “حجّة” لتسعير أعلى، ثم إلى سلّم لرفع الهوامش، ثم إلى واقع يُفرض على الناس كأنه قدر. المشكلة لم تعد: كم رفعت الحكومة؟ بل: من يوقف السوق حين تكتشف أن الدولة تمنحها الغطاء؟
طالما لا توجد رقابة فعلية، ولا شفافية في الهوامش، ولا عقوبات تجرؤ على لمس كبار اللاعبين، فكل قرار ضريبي سيبقى مجرد عنوان محترم لشيء واحد: تضخّم محلّي مصنوع… ومواطن يُستنزف بلا سقف.