ليست المسألة زلّة لسانٍ ولا “مبالغة” تصلح لفقرةٍ عابرة في بودكاست، بل هي لحظة انكشاف: حين يخرج خطاب “إسرائيل الكبرى” من هامش الهمس إلى واجهة الكلام، ويُقال ببرودةٍ تكاد تشبه اليقين، ثم يُغطّى بتراجعٍ لفظي من نوع “غير واقعي الآن”. هذه الحيلة بالذات هي لبّ المشروع: ليس مطلوباً أن تعلن إسرائيل رسمياً أنها تريد كل شيء، يكفي أن تُرسّخ قاعدة أخطر بكثير، وهي أن ما احتُلّ يصبح حقاً، وأن الزمن يحوّل السرقة إلى ملكية، وأن العالم—إذا اعتاد—يتوقف عن الاعتراض. لذلك، عندما يُقال إن لإسرائيل “حقاً مبدئياً” بأرض “من النيل إلى الفرات”، ثم يُستدرك بأن المطلوب فقط “الاحتفاظ بما تحتله الآن”، فالمعنى واحد: توسّعٌ يُدار على مرحلتين، سقفٌ أقصى يُرفع كي يبدو الأدنى مقبولاً، ومبدأٌ توراتي يُستدعى كي تُغسل به الوقائع القذرة على الأرض: مستوطنة بدل قرية، طريقٌ التفافي بدل حقّ تنقّل، “احتياجات أمنية” بدل ضمّ صريح، ومحاكم وخرائط وأسماء تُستخدم كأدوات محوٍ بطيء لا كوسائل إدارة.


هنا تحديداً يظهر جوهر إسرائيل التي تُباع للغرب: ليست دولةً “تدافع عن نفسها” كما يروّجون، بل مشروعاً استعمارياً يعرف كيف يختبئ وراء اللغة كي يواصل الفعل. إسرائيل الكبرى ليست خريطة معلّقة على جدار مكتبٍ حكومي، هي عقلية حكم، نظام تشغيل كامل يقوم على فكرة واحدة: لا حدود نهائية، لأن الحدود ليست حقائق بل نتائج قوة، وكل ما يمكن السيطرة عليه يجب السيطرة عليه، وكل ما لا يمكن السيطرة عليه اليوم يُؤجّل إلى الغد. لهذا لا معنى لعبارة “غير واقعي”، لأنها لا تنفي المبدأ بل تؤجّل تطبيقه، ولا ترفض الشهوة بل تنتظر ظرفاً أفضل لتبريرها. الواقعية هنا ليست أخلاقاً ولا قانوناً، الواقعية هي إدارة اللحظة: خذ ما تستطيع الآن، وابقِ الحلم مفتوحاً كي لا تتحول إلى دولة طبيعية تُحاسَب وتُنتقد وتُجبر على الانسحاب.


وإذا أردت أن تفهم لماذا هذا الخطاب خطير، فلا تبحث عن “اليمين المتطرف” فقط، بل انظر إلى التحالف الذي يمنحه غطاءً فوق-قانوني: تيار ديني-سياسي في الغرب يحوّل الاحتلال إلى طقسٍ أخلاقي، ويقدّم الجغرافيا كملحقٍ بالعقيدة، ويستبدل الشرعية الدولية بما يشبه “صك ملكية” سماوي. هنا تُصادر الأرض باسم السماء، ويُحوّل الفلسطيني من صاحب حق إلى “عائق”، وتتحول التسوية إلى “تنازل غير مشروع”، ويُصبح إنكار وجود شعبٍ كاملاً عملاً تمهيدياً ضرورياً لتبرير محوه. حين تُمحى الكلمات تُمحى الحقوق بعدها بسهولة، وحين يُستبدل اسم المكان تُستبدل ذاكرته، وحين تُلغى حقيقة الشعب يُفتح الباب لتصميم مستقبلٍ يُطرد فيه خارج وطنه ويُطلب منه أن يشكر العالم لأنه “وفّر له أرضاً في مكان آخر”. هذه ليست قراءة دينية بريئة، بل سياسة قذرة تتدثر بالقداسة كي لا تُسأل: من قتل؟ من شرّد؟ من هدم؟ من ضمّ؟ من صادر؟ لأن سؤالاً كهذا يصبح عندهم تشكيكاً في “الوعد” لا محاسبة لاحتلال.


المشروع التوسّعي لا يحتاج إلى احتلالٍ صاخب دائماً، يكفيه استيطانٌ يعمل كآلة يومية لإنتاج الحدود، فكل مستوطنة ليست بيتاً جديداً بل قرار سيادة مؤجل، وكل طريقٍ التفافي هو شريان ضمّ، وكل “منطقة أمنية” هي قطعة أرض مسروقة تنتظر ختم الاعتراف. ثم تأتي اللغة لتكمل المهمة: لا تُسمِّه ضفةً غربية بل “يهودا والسامرة”، لا تُسمّه احتلالاً بل “إدارة”، لا تُسمّه ضماً بل “فرضاً للسيادة”، لا تُسمّه تهجيراً بل “حلولاً إنسانية”. هذه هي الصناعة الحقيقية لإسرائيل الكبرى: أن تصير الجريمة معجماً، وأن يتحول التوسع إلى مفردات مقبولة، وأن يصبح الاعتراض إزعاجاً أخلاقياً في وجه “واقعية” مزعومة.


والأخطر أن هذا الخيال لا يتوقف عند فلسطين، لأنه حين تتحول الحدود إلى مادة تأويل لاهوتي أو أمنّي، يصبح الجوار كله هامشاً قابلاً للتعديل: الأردن يُختزل كخزان ديموغرافي يُراد دفع الناس إليه، سوريا تُقرأ كفراغٍ يمكن اقتطاعه تحت عنوان “عمق استراتيجي”، لبنان يُعامل كخط تماس يمكن إعادة رسمه متى قرروا أن الأمن يقتضي ذلك. ومن هنا نفهم وظيفة شعار “من النيل إلى الفرات”: ليس لأنه خطة تنفيذية غداً صباحاً، بل لأنه يطبّع الحدّ الأقصى كي يبدو الحد الأدنى من الضمّ عادياً، ويُبقي الباب مفتوحاً كي لا تُغلق شهية التوسع بحدٍ نهائي. بهذه الطريقة يصبح العالم شريكاً بالصمت: يبتلع المبدأ لأن تطبيقه “غير واقعي”، ثم يبتلع التطبيق لأنّه “واقع قائم”، ثم يبتلع الواقع لأنّه “استقرار”، ثم يكتشف بعد سنوات أنه كان يصفّق لتحوّل الاحتلال إلى قدرٍ دائم.


لذلك، أي حديث عن “سلام” أو “حل” في ظل هذه البنية ليس سوى ديكور، لأن المشروع الذي يتغذّى من التوسع لا يرى في التسوية نهاية للصراع بل عائقاً أمامه، ولا يرى في القانون مرجعية بل عقبة، ولا يرى في الإنسان صاحب حق بل مشكلة قابلة للنقل. وما دام هناك من يصرّ على تحويل التوسّع الإسرائيلي إلى “التزام روحي” ومنح الاحتلال صفة “الرسالة”، فإن التحدي ليس في تفنيد عبارةٍ هنا أو هناك، بل في فضح المنطق كله: نزع القداسة عن الجريمة، وفضح إسرائيل الكبرى بوصفها استعماراً يعمل على مهل، يختبئ وراء الكلمات حيناً، ويظهر بالدبابات حيناً، لكنه في كل الأحوال لا يعرف معنى الحدّ، لأن الحدّ الوحيد الذي يعترف به هو حدّ القوة.