ليس لبنان اليوم على طاولة القرار الدولي… بل تحتها، يُستدعى فقط ليوقّع على تأجيل نفسه. في ساعاتٍ معدودة سقط القناع دفعة واحدة: طلبٌ خارجي فجّ لتجميد الانتخابات، وبرودةٌ مخزية أمام ملف دعم الجيش، وصمتٌ رخيص على عدوانٍ إسرائيلي مفتوح في الجنوب. كأنهم يقولون للبنانيين بلا تورية: لا نريد لكم ديموقراطية تُفاجئنا، ولا جيشاً نلتزم نحوه، ولا حدوداً نحاسب المعتدي عليها… نريد فقط بلداً “مضبوطاً” على إيقاعنا، يعيش على بيانات الإدانة ولجانٍ بلا أسنان ومؤتمراتٍ بلا شيكات، فيما تتكفّل إسرائيل بباقي الفصول بالنار.
هذا المعنى ظهر بوضوح في تداخل ملفّين يفترضان—نظرياً—أنهما في صلب اهتمام “الدول الكبرى”، فإذا بهما يتحوّلان إلى دليلٍ إضافي على العكس تماماً. من جهة، إعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري صراحة أن الولايات المتحدة، إلى جانب دول اللجنة الخماسية، طلبت منه تأجيل الانتخابات النيابية. ومن جهة ثانية، تسريبات العواصم نفسها عن عدم الجهوزية لتفعيل برامج دعم الجيش اللبناني، وهو ما تُرجمه عملياً ضعف التمثيل السياسي في مؤتمر القاهرة التحضيري لمؤتمر باريس للدعم، بما يوحي أن شعار “دعم الجيش” يُستخدم كعنوان ضغطٍ لا كالتزام.
المؤتمر التحضيري المقرر عقده في القاهرة يوم غد الثلاثاء 24 شباط 2026 كان يُفترض أن يرفع السقف السياسي قبل مؤتمر باريس مطلع آذار، فإذا به يُسحب من تحته الهواء باكراً. اعتذار سفراء دولٍ أساسية—وفي مقدّمها الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية—عن المشاركة والاكتفاء بإرسال ممثلين، ليس تفصيلاً بروتوكولياً. هذا خفضٌ متعمّد لحرارة الملف، ورسالة تقول: لا تتوقعوا اندفاعة، ولا تراهنوا على تعهّدات. والأسوأ أن هذا الانسحاب الرمزي يجرّ خلفه تراجعاً تلقائياً في حماسة بقية الدول: عندما يتراجع “الرعاة”، يصير الآخرون جمهوراً ينتظر نهاية العرض. عندها يصبح السؤال عن مؤتمر باريس نفسه مشروعاً: هل سيبقى موعداً فعلياً أم يتحوّل إلى واجهةٍ تُستعمل لتقطيع الوقت؟
في الخلفية، تُطرح تفسيرات تتحدث عن “استياء خارجي” من خطة الجيش للعمل شمال نهر الليطاني. وهنا تقع الفضيحة الأخلاقية والسياسية في جملة واحدة: الجيش يُحاسَب على خطة عمل داخل أرضه، بينما إسرائيل تُترك لتتصرف كقوةٍ فوق المساءلة. كأن المطلوب من لبنان أن يكون مثالياً وهو يتلقى الضربات، وأن يقدّم “ضمانات” وهو لا ينال أي ضمانة، وأن يضبط إيقاعه الوطني وفق مزاج العواصم، فيما الخروق الإسرائيلية—من غارات وتوغلات في قرى وبلدات جنوبية وصولاً إلى عمليات خطف—تمضي بلا كلفة سياسية رادعة، كما في حادثة اختطاف عطوي عطوي مسؤول الجماعة الإسلامية.
وسط هذا الفراغ، عاد الحديث عن لجنة “الميكانيزم” التي يُفترض أن تعقد اجتماعها في 25 شباط 2026 بعد توقّفٍ عن الاجتماعات، مع ترجيحات بأن يقتصر الحضور على العسكريين. لكن إعادة تشغيل اللجنة لا تُخفي واقعاً واحداً: دورها بات شبه معدوم في كبح الاعتداءات الإسرائيلية أو فرض حدّ أدنى من الالتزام. لجنةٌ تُستدعى لتُقال عبارة “نحن نتابع”، فيما الجنوب على الأرض يسمع شيئاً واحداً: الطائرات، والانفجارات، والخرق المتكرر للسيادة.
من هنا جاء موقف النائب علي فياض كترجمةٍ لغضبٍ سياسي يتسع: اجتماعات “مشبوهة وفارغة” لا تقدّم أي ضمانات للبنان، والبلد بعد مجزرة البقاع يواجه تصعيداً إسرائيلياً مفتوحاً، ولم تعد بيانات الإدانة تعني شيئاً. والأهم في كلام فياض أنه ضرب في الصميم فلسفة “التنازل”: سياسة التنازلات لا تُهدئ إسرائيل، بل تشجّعها. لأن إسرائيل—كما تُثبت الوقائع—لا تقرأ الليونة بوصفها فرصة تسوية، بل بوصفها إشعاراً بأن الكلفة معدومة.
في المقلب السياسي الداخلي، ما قاله بري لم يكن مجرّد “إحراج” دبلوماسي، بل كشفٌ عن سقف التدخل الخارجي. بري أكّد أنه رُوجع بالتأجيل، وأنه رفض وأبلغ سفراء الخماسية أنه ماضٍ بالانتخابات ولا يؤيّد تأجيلاً تقنياً ولا تمديداً للمجلس. وتداولت الأوساط أن السفير الأميركي ميشال عيسى والسفير السعودي وليد البخاري فاتحاه بالأمر صراحة، من دون أن يلقيا تجاوباً. الأكثر دلالة في المشهد أن بري قال—وفق ما نُقل—إنه لن يبادر هو ولا كتلته إلى أي خطوة باتجاه التأجيل، لا في الحكومة ولا في المجلس، وأن من يريد ذلك فليذهب إلى الرئيسين عون وسلام، أي إلى السلطة التنفيذية، حيث يمكن تمرير “المخرج” بمرسوم أو بمسار قانوني جديد.
وهكذا تبدأ طبخة التأجيل بأقنعةٍ “إصلاحية”: الحديث عن تعديل القانون الانتخابي والعودة إلى نصوص الطائف، ثم القفز إلى المادة 22 من الدستور التي تنص على استحداث مجلس للشيوخ بعد انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي، وحصر صلاحيات الشيوخ بالقضايا المصيرية. على الورق تبدو الفكرة “تطويراً”، لكن في التوقيت السياسي تصبح أداة تعطيل مغلّفة بالشعارات: تأجيل الانتخابات ريثما تُعد الحكومة مشروع قانون جديد يضم مجلس شيوخ وانتخاباً نيابياً وطنياً. أي أننا نؤجّل الاستحقاق بحجة فتح ورشةٍ دستورية كبيرة قد تحتاج سنوات، ثم نبيع التأجيل كأنه إصلاح.
في الكواليس، يُتداول أيضاً منطق مقايضة أكثر فجاجة: تعديل وزاري مقابل بقاء نواف سلام في موقعه، كأن الحكومة تُدار بمنطق السوق، وكأن الاستحقاقات الدستورية بندٌ قابل للتجميد إذا تمّت تسوية الأسماء والحقائب. وهنا تتكدس الألغام: مجرد طرح المادة 22 في هذا التوقيت قد يفجّر أزمة مع قوى مسيحية، وفي مقدمها “القوات اللبنانية”، التي قد تعارض أو تنسحب، أو تفتح الباب لصراع على التمثيل وحقائب حساسة، ولا سيما الخارجية التي تُذكر كعنوان دائم في أي عملية شدّ حبال داخلية.
يبدو أن الخارج الذي لا يملك حماسة جدية لدعم الجيش، يملك الجرأة ليطلب تأجيل الانتخابات. الخارج الذي يخفّض تمثيله في مؤتمر دعم المؤسسة العسكرية، يرفع سقف تدخله في المواعيد الدستورية. والخارج الذي يوزّع “نصائح الاستقرار” يترك الجنوب مكشوفاً أمام عدوانٍ لا يتوقف، ثم يطلب من لبنان أن يضبط نفسه ويصمت ويؤجّل نفسه. هذه ليست شراكة ولا رعاية ولا حرصاً على الدولة. هذا نموذج إدارة بلدٍ بالحد الأدنى: إبقاؤه معلّقاً سياسياً، مكشوفاً أمنياً، ومتروكاً لميزان قوة واحد… ميزان إسرائيل.


