لا تُدار إيران بعقلية “جيشٍ واحد ودولةٍ واحدة” كما في النماذج التقليدية. هناك في طهران منظومة مُصمَّمة على الشكّ قبل الاطمئنان، وعلى توزيع القوة قبل تركيزها داخل مؤسسة واحدة. دولةٌ بجيشين: واحدٌ يرتدي بزّته الكلاسيكية ويُفترض أن مهمته حماية الحدود والسيادة، وآخر وُلد في لحظة الثورة ليحمي النظام نفسه… ثم تمدّد مع السنوات حتى صار دولةً داخل الدولة، لا مجرد قوة رديفة. هذا البناء ليس تفصيلاً تنظيمياً، بل صيغة حكم كاملة: حراسة الجغرافيا من جهة، وحراسة العقيدة والسلطة من جهة ثانية، وبينهما توازن مقصود يمنع أن يبتلع طرفٌ الطرف الآخر، ويضمن في الوقت نفسه أن القرار النهائي لا يضيع في ازدواجية الأذرع.
فوق القوتين يقف المرشد الأعلى باعتباره مركز الثقل الذي لا يعلوه شيء في هرم القيادة. ليس “رمزاً” فوق المؤسسات، بل رأس سلطةٍ يملك أدوات الإمساك بالمفاصل: تعيين القادة الكبار، رسم الاتجاهات الاستراتيجية، وإعطاء إشارة الحرب والسلم. لكن لأن الدولة مبنية على جناحين عسكريين متوازيين، كان لا بد من طبقة تُنسّق وتُوحّد الإيقاع كي لا يتحول التعدد إلى تضارب. هنا تظهر غرف القيادة التي تعمل كعصبٍ غير مرئي يُمسك بخيوط التخطيط والربط والقرار.
في مقدمة هذه الغرف يأتي المجلس الأعلى للأمن القومي، حيث تُطبخ سياسة الأمن والدفاع وتُنسَّق خطوط السياسة مع الاستخبارات والجيش، وحيث تُصاغ “اللغة الرسمية” للتهديدات والأولويات. إلى جانبه تقف هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، بوصفها عقل التنسيق الذي يمنع اصطدام الجيش النظامي بالحرس الثوري، ويُدير العلاقة العملياتية بينهما، خصوصاً حين تتداخل المهام في الداخل والخارج. وفي حالات الحرب أو الطوارئ، يبرز مقر “خاتم الأنبياء” كمنصة قيادة وسيطرة تُشبه غرفة عمليات كبرى تُمسك بمفاصل التخطيط والتوجيه في العمليات المشتركة، بما يضمن أن تعدد الأذرع لا يخلق فراغاً في لحظة الحسم.
لكن قلب التميّز الإيراني ليس في أسماء المؤسسات، بل في طبيعة الحرس الثوري نفسه. الحرس ليس “سلاحاً” ضمن الجيش، بل مؤسسة مستقلة بعقيدة تأسيسية: حماية الثورة ومنجزاتها. ومع مرور الوقت، تحوّل من قوة أُنشئت لردع الانقلاب والخطر الداخلي إلى جيش كامل: قوات برية تميل إلى مهام الأمن الداخلي ومواجهة التهديدات غير التقليدية، وقوات بحرية في الخليج تعمل بعقيدة مغايرة للبحريات التقليدية وتعتمد سرعة الزوارق وحرب المناورة والاشتباك المرن، ثم القوة الجوفضائية التي تُعدّ رأس الرمح في الردع لأنها تمسك بالبرنامج الصاروخي وبجزء أساسي من منظومة المسيّرات—وهي الأداة التي ترى طهران أنها تعوّض نقاط الضعف وتمنحها القدرة على فرض كلفة على خصومها.
ومن داخل الحرس الثوري يخرج “فيلق القدس” بوصفه الذراع الخارجية التي تنظّم العمل خارج الحدود وتبني شبكات النفوذ وتدير ساحات الاشتباك غير المباشر. ليس تفصيلاً أن يصبح هذا الفيلق عنواناً دائماً في صورة إيران الإقليمية، ولا تفصيلاً أن يُقرأ اغتيال قاسم سليماني عام 2020 كضربة استهدفت الرأس التنفيذي الأكثر تأثيراً في هذا المجال. وإلى جانب ذلك، تلعب قوات “الباسيج” دوراً مختلفاً: ليست قوة نخبوية بالمعنى العسكري، بل خزّان تعبئة وذراع أمن داخلي تُستدعى في لحظات الاضطراب، وتعمل كاحتياط اجتماعي-أمني يمنح النظام قدرة على ضبط الشارع وتوسيع قاعدة السيطرة.
في المقابل، يبقى الجيش النظامي هو المؤسسة “الدولتية” ذات البنية التقليدية: قوات برية بمشاة ومدرعات، وقوات بحرية للعمل في المياه الأبعد والأعمق، وقوة جوية ودفاع جوي لحماية المجال الجوي والتعامل مع الهجمات الخارجية. وبين الجناحين تقف وزارة الدفاع في موقع إداري-لوجستي أكثر منه ميدانياً، فيما تتولى قوى الأمن الداخلي والشرطة أمن المدن وتطبيق القانون، ضمن منظومة تشرف عليها السلطة العليا وتُمسك بتوازناتها كي لا تُترك مفاصل الأمن لقرارات متنافرة.
ازدواجية الجيش في إيران ليست حادثة تاريخية، بل قرارٌ تأسيسي تحوّل إلى هندسة ثابتة: نظامٌ لا يثق بمؤسسة واحدة تمتلك كل القوة، فأنشأ قوة موازية… ثم سمح لها أن تكبر حتى صارت ركناً من أركان الدولة. لذلك لا يُفهم سؤال “من يملك القرار النهائي؟” إلا على هذا الأساس: القرار في القمة، لكن التنفيذ موزع على أذرع متوازية، وكل ذراع صُممت لتؤدي وظيفة لا يُجيدها الآخر. وفي هذا التوازن المحسوب، تكمن خصوصية إيران العسكرية: دولة تستطيع أن تحرس الداخل بعين، وتفاوض الخارج بعين، وتردع الخصم بأدوات متعددة… من دون أن تسمح لجيشٍ واحد أن يصبح سيد اللعبة وحده.


