تُحبّ الولايات المتحدة أن تُقدّم نفسها بوصفها “قوة سلام” تُطفئ الحرائق وتُرمّم الاستقرار، لكن الأرقام—حين تُترك لتتكلم وحدها—تفضح صورةً أخرى: سلامٌ في الخطب، وانتشارٌ عسكريّ متضخم تُموّله الديون. فبينما تُرفع شعارات إنهاء الحروب، تُدار ماكينة تدخلاتٍ باهظة الكلفة في أكثر من مسرح، من الكاريبي إلى الشرق الأوسط، ومع كل يوم انتشار تتوسع فاتورة لا تُدفع الآن… بل تُرحَّل إلى المستقبل على شكل مديونية تتضخم وتلتهم مرونة الخزينة الأميركية.


في تقريرٍ كشفت فيه “بلومبيرغ” هذا التناقض، تظهر التفاصيل كأنها ميزانية حربٍ مفتوحة بلا إعلان: قبالة فنزويلا في بحر الكاريبي، تتمركز مجموعة حاملة طائرات ترافقها مدمرات وطرادات وطائرات حربية، مع انتشار يقارب 15 ألف عسكري. الكلفة اليومية وحدها تُقدَّر بـ31 مليون دولار، وإذا استمر المستوى نفسه عاماً كاملاً قد تتجاوز الكلفة 11 مليار دولار. وفي الشرق الأوسط، حيث تُشدّ الأعصاب قرب إيران، تُرسل واشنطن تعزيزات إضافية من نوع مجموعات حاملات طائرات أيضاً، بتكاليف تُقدَّر بنحو 8 ملايين دولار يومياً، أي قرابة 2.9 مليار دولار سنوياً، فوق ما لا يقل عن ملياري دولار قيل إنها صُرفت على عمليات عسكرية ضد إيران وحلفائها خلال حزيران الماضي. ثم تأتي الأفكار “الضخمة” التي تُسَوَّق سياسياً كصفقات سيادة—مثل فكرة فرض سيطرة أميركية على جرينلاند التابعة للدنمارك—لتظهر تقييمات داخلية تتحدث عن كلفة محتملة تصل إلى 700 مليار دولار، رقمٌ يقترب من ثلاثة أرباع ميزانية وزارة الدفاع الأميركية، ويقول بصراحة إن الأحلام الجيوسياسية ليست مجانية، بل تحتاج خزينةً تتحمل جنونها.


لكن السؤال الأثقل ليس كم تُنفق واشنطن، بل كيف تُموّل هذا الإنفاق وهي تواصل تقديم نفسها حَكَماً دولياً يُنهي الحروب لا وقوداً يُطيلها. تاريخياً، كانت أميركا تموّل الحروب عبر الضرائب لتجنب تحميل الأجيال المقبلة كلفة الدم والنار، وهو النهج الذي ارتبط بتجربة فرانكلين روزفلت في الحرب العالمية الثانية. اليوم انقلبت المعادلة: فاتورة التدخلات تُقسط على المستقبل عبر الدين العام، وكأن الدولة تقترض من الغد كي تُحارب اليوم. ووفق ما ورد في السياق نفسه، ارتفعت المديونية العامة من نحو 3.7 تريليونات دولار عند بداية حرب العراق إلى أكثر من 38 تريليون دولار بنهاية العام الماضي.


وهنا يتحول “الإنفاق العسكري” من مجرد بندٍ في الميزانية إلى سياسة مالية كاملة: كلما اتسع الدين، ضاقت مساحة المناورة، وزادت الضغوط على الميزانية العامة، وتعقدت علاقة واشنطن بسوق السندات، وبدأ السؤال يقترب من منطقة محرّمة في الاقتصاد السياسي الأميركي: ما الذي يحدث لهيبة الدولار كعملة احتياط عالمية حين تصبح القوة العسكرية نفسها معتمدة أكثر فأكثر على الاقتراض، لا على فائضٍ حقيقي في القدرة المالية؟


النتيجة ليست مجرد مفارقة أخلاقية بين خطابٍ ينادي بالسلام ومشهدٍ يفيض بالسلاح، بل مفارقة بنيوية: إمبراطورية تُحاول إدارة العالم وهي تُرهِن جزءاً متزايداً من مستقبلها المالي لتغطية كلفة حضورها العسكري. وبقدر ما تبدو حاملات الطائرات رمزاً للقوة، تبدو أرقام الدَّين رمزاً آخر… لقوةٍ تُموّل نفوذها بالاستدانة، ثم تطلب من العالم أن يصدّق أنها تُقاتل “من أجل الاستقرار”.