لم تعد إسرائيل بحاجة إلى إعلانٍ مدوٍّ عن ضمّ الضفّة الغربية كي تبدأ الضمّ فعلياً. يكفيها أن تُبدّل الأداة: بدل القرار السياسي الصريح، تُطلق مساراً “سيادياً” من قلب الجهاز القضائي والإداري، وتُلبسه ثوب القانون، ثم تتركه يعمل ببطءٍ قاتل حتى تصبح المصادرة واقعاً لا يحتاج إلى توقيع جديد. ما صدّقت عليه الحكومة الإسرائيلية أخيراً لفتح مسار تسجيل الأراضي بإشراف وزارة العدل، بالتوازي مع توسيع تصنيف مساحات واسعة كـ“أراضي دولة” بحجة أنها “متروكة”، لا يُقرأ فلسطينياً كإجراء تقني، بل كمرحلة متقدمة من مشروع الضمّ التدريجي: ضمّ لا يرفع العلم، لكنه يُغيّر الملكية، وحين تُغيَّر الملكية يصبح العلم تفصيلاً لاحقاً.


الفكرة بسيطة وخبيثة في آن: على الفلسطيني—إذا أراد إثبات ملكيته—أن يُقدّم أدلة على “الحيازة” أو “الاستعمال” في السنوات الأخيرة أمام الدوائر الإسرائيلية. لكن أي سنوات هي هذه؟ هي نفسها السنوات التي قُطّعت فيها الأرض بجدار الفصل، وخُنقت فيها الطرق، وتضاعفت فيها أوامر الإغلاق العسكري، وتحولت فيها مساحات واسعة إلى مناطق “خطرة” بفعل اعتداءات المستوطنين وحماية الجيش لها. بمعنى آخر: يُمنع الفلسطيني من الوصول إلى أرضه، ثم يُطالَب بإثبات أنه كان يصل إليها. يُدفع قسراً إلى الغياب، ثم يُحاكم على الغياب. هكذا تُصنع “المعايير” كي يكون الفشل مُسبقاً، ويصبح المطلوب من صاحب الأرض أن يُقدّم المستحيل بوصفه شرطاً للحق.


على الأرض، هذه ليست نظرية. حكاية “أبو زياد” تختصر آلية السلب التي تتكرر بوجوه مختلفة منذ الثمانينيات. الرجل يقول إن عائلته خسرت جزءاً كبيراً من أراضيها حين صودرت مساحات واسعة وحُوّلت إلى “أراضي دولة”، ولم يبقَ له سوى عشرات الدونمات يملك بشأنها وثائق ملكية كاملة، من طابو قديم إلى قرارات محاكم. ومع ذلك يُمنع من دخولها أو زراعتها بحجج تتبدّل: مرة “مناطق أمنية”، مرة “مناطق عسكرية مغلقة”، ومرة حماية “بؤرة” استيطانية. الآن، مع المسار الجديد، يصبح الخوف أكثر مباشرة: أن تُنتزع الأرض أمام العين بحجة أنه “لم يعتنِ بها”، أي أن الاحتلال سيستثمر سنوات المنع نفسها كي يبني عليها ذريعة المصادرة.


المسار الجديد لا يضغط على سكان الضفة وحدهم، بل يفتح فخاً واسعاً لأصحاب الأراضي المقيمين في الخارج. فحين تتحول الإثباتات إلى متاهة من الوثائق والشروط والإجراءات، يصبح الغائب عن البلاد—قسراً أو اختياراً—أكثر هشاشة، ويصبح الوقت عدواً إضافياً. وفي المقابل، تتحول التعقيدات التي تُشدّد على الفلسطينيين إلى “تسهيلات” عمليّة للمستوطنين، خصوصاً بعد رزمة قرارات رسمية في الأسابيع الأخيرة تُفهم فلسطينياً على أنها تمهيد شامل: شرعنة بؤر، توسيع نفوذ، ثم دفع السكان الأصليين خارج الأرض بصيغة قانونية مموّهة.


وخلف كل ذلك تقف الحقيقة التي لم تعد تُخفى: الحديث القديم عن “سيطرة مؤقتة” بانتظار حل سياسي يتآكل حتى في اللغة. الفلسطينيون يقولون إن الإجراءات الأخيرة تُغلق الأفق وتُطيح أي وهم بأن السيطرة قابلة للتراجع. فالمناطق المصنّفة “ج” وفق اتفاق أوسلو—والتي كان يفترض أن تنتقل تدريجياً إلى إدارة فلسطينية—تحولت عملياً إلى المختبر الأكبر لتثبيت الوقائع، ووفق تقديرات فلسطينية فإن المسار الجديد يطاول قرابة خُمس مساحة الضفة من هذه المناطق على الأقل، أي أنه لا يستهدف جيوباً صغيرة بل شرائح واسعة تُعدّ قلب ما تبقّى من أرض قابلة للحياة.


في المقابل، ترفض السلطة الفلسطينية من حيث المبدأ فكرة أن تقوم دولة الاحتلال بـ“تسوية” أو “تسجيل” أراضٍ سبق تسويتها أو ترتيب آثار قانونية عليها عبر جهات فلسطينية، وتعتبر أن تكرار التسوية ليس مجرد إجراء إداري بل اعتداء على منظومة حقوق قائمة. لكن الاعتراض القانوني وحده لا يوقف ماكينة تعمل على قاعدة: اصنع الإجراء، افتح المسار، افرض الوقائع، ثم دع العالم يتجادل حول المصطلحات.


لا تنفّذ إسرائيل ضمّاً دفعة واحدة لأنها تعرف كلفة الإعلان. هي تُنفّذ ضمّاً على جرعات: جرعة طابو، جرعة “أراضي دولة”، جرعة إغلاق، جرعة مستوطن يطرد، ثم ختمٌ قضائي يُحوّل الطرد إلى “إجراء”. هذه ليست إدارة أرض محتلة، بل تحويل الاحتلال إلى سيادة عبر الورق. وعندما يتحول السلب إلى ملفّات ومعاملات وأختام، يصبح الضمّ—في النهاية—أمراً منجزاً، حتى لو تأخر الاعتراف به.