الخليل ليست مدينةً فلسطينية عادية يمكن قياسها على بقية مدن الضفة. إنها مدينة مقسومة فعلياً إلى عالمين داخل شارعٍ واحد، تُدار بقواعد لا يراها كثيرون لكنها تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية: من يفتح الطريق، من يغلقه، من يقرر البناء، ومن يملك حق الحركة. هذه الصيغة لم تولد صدفة، بل صُنعت بعد لحظة مفصلية غيّرت المدينة إلى الأبد: مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، التي لم تكن حدثاً دموياً فقط، بل كانت نقطة انعطاف أعادت تشكيل الخليل أمنياً وسياسياً. بعدها جاء حظر التجول، وإغلاق الشوارع، وتكثيف الوجود العسكري في البلدة القديمة، ثم توصيات إسرائيلية كرّست مبدأ الفصل داخل الحرم وفي محيطه، لتخرج الخليل عملياً من “النموذج الأوسلوي” التقليدي، وتصبح مدينةً يُشترط لأي انسحاب منها ترتيبات أمنية استثنائية.
على هذا الأساس، وُضع بروتوكول الخليل في أواخر التسعينيات كترتيب تفصيلي لإعادة الانتشار لا كاتفاق سلام. كان الهدف المعلن ضبط إدارة مدينة تتداخل فيها معادلات شديدة الانفجار: الحرم الإبراهيمي في قلبها، ومستوطَنون داخل مركزها التاريخي، وشوارع تتحول إلى خطوط تماس. لذلك، لم يُقدّم البروتوكول حلاً، بل رسم “نظام تشغيل” لمدينة مقسومة: تقسيم الخليل إلى منطقتين، الأولى تضم غالبية مساحة المدينة وتخضع لصلاحيات السلطة الفلسطينية أمنياً ومدنياً، والثانية أصغر مساحة لكنها الأثقل سياسياً، لأنها تضم البلدة القديمة ومحيط المستوطنات والحرم الإبراهيمي، فتُترك السيطرة الأمنية فيها لإسرائيل، فيما تبقى الخدمات المدنية للفلسطينيين على عاتق السلطة. هنا تقع المفارقة التي جعلت الخليل نموذجاً فريداً: الفلسطيني في المنطقة الخاضعة أمنياً لإسرائيل يتلقى خدماته من السلطة، لكنه يعيش تحت سيطرة جيشٍ ليس له عليه أي ولاية سياسية.
كانت هذه “المعادلة الهشّة” هي روح الاتفاق: أمنٌ لإسرائيل، وخدمات مدنية للفلسطينيين، وتوازنٌ يسمح للمدينة أن تبقى—ولو شكلياً—ضمن الإطار التفاوضي الذي وُلد مع أوسلو. لكن قرارات “الكابينت” الأخيرة تضرب هذا التوازن من جذوره، لأنها لا تتعامل مع الخليل كمدينة لها ترتيب قائم، بل كمنطقة يمكن انتزاع صلاحياتها تدريجياً من الداخل حتى يصبح الاتفاق مجرد ورق بلا وظيفة. حين تُنقل صلاحيات مدنية حساسة مثل التخطيط والبناء في محيط الحرم الإبراهيمي إلى جهات إسرائيلية، فالمسألة ليست تعديل بندٍ فرعي، بل إعادة تعريف للسؤال الأخطر: من يملك القرار المدني داخل المدينة؟ ومن يحدد شكلها العمراني والديمغرافي؟
هنا يصبح الخطر أكبر من مجرد “نقل صلاحيات”. لأن البروتوكول قام أساساً على إبقاء نافذة مدنية فلسطينية—even داخل المنطقة التي تتحكم بها إسرائيل أمنياً—كي لا تتحول المنطقة الثانية إلى إدارة إسرائيلية كاملة. فإذا سُحبت هذه النافذة، يفقد البروتوكول مضمونه التنفيذي حتى لو لم يُلغَ رسمياً. يصبح التقسيم شكلياً، وتتحول “المنطقة 2” إلى مساحة حكمٍ إسرائيلي شبه كامل: أمنٌ بيد الجيش، ومدنيّات بيد مؤسسات إسرائيلية، والفلسطيني محشور بين سلطتين… لكن بلا سلطة فعلية تحمي حقه في المدينة التي يعيش فيها.
والأثر الأعمق لهذا المسار ليس إدارياً فقط، بل استراتيجي. السيطرة على التخطيط والبناء ليست تفصيلاً تقنياً، بل هي المفتاح الذي يُغيّر المدن على المدى الطويل: من يُمنح تراخيص، من يُمنع، أين تُفتح طرق، وأين تُغلق، وكيف يُعاد رسم مركز المدينة التاريخي. عندما تُمسك إسرائيل بهذا المفتاح في قلب الخليل، فهي لا تُدير الحاضر فقط، بل تُعيد تصميم المستقبل: تغييرات عمرانية تفتح الباب لتوسّع استيطاني مُغلّف، وتضيّق الخناق على الوجود الفلسطيني، وتحوّل البلدة القديمة إلى مساحة يُعاد ترتيبها بما يخدم “حماية المستوطنين” كأولوية تتقدم على أي حق آخر.
بهذا المعنى، ما يجري في الخليل ليس قراراً منفصلاً ولا خطوة “إجرائية”، بل نموذج لسياسة إسرائيلية أوسع: تفريغ الاتفاقات من مضمونها عبر سحب صلاحياتها واحدة تلو الأخرى، حتى يصل الفلسطيني إلى لحظة يكتشف فيها أن الإطار السياسي لم يُلغَ… لكنه لم يعد يحكم شيئاً. والخليل، لأنها الأكثر حساسية والأكثر اشتباكاً والأكثر قابلية للتحويل إلى “مدينة حرس” دائمة، تبدو اليوم كأنها تُسحب من بروتوكولها إلى واقعٍ جديد: مدينة أقل ارتباطاً بأي ترتيبات تفاوضية، وأكثر خضوعاً لقرارات أحادية تُحوّل الاستثناء إلى قاعدة، والاحتلال إلى إدارة كاملة تُمارَس بالقانون وبالأوامر وبالخرائط.


