لا تبدأ الحروب دائماً بصاروخٍ أول، أحياناً تبدأ بحقيبةٍ تُسحب من مكتب، وبمقعدٍ يُترك فارغاً في سفارة. عندما تُقرر واشنطن أن تُخفّف طاقمها في بيروت، فهي لا “تحتاط” فقط… بل تُعيد رسم مستوى الخطر على لبنان، وتقول—من دون أن تقول—إن هذا البلد قد يُسحب فجأة إلى قلب العاصفة إذا انقلبت المفاوضات مع إيران إلى مواجهة. الأخطر أن الإشارة تأتي فيما لبنان ما يزال يتصرف كأن الزمن قابل للتأجيل، وكأن الإنذارات الخارجية أخبارٌ للاستهلاك لا رسائل لبدء خطة طوارئ.


الخطوة لم تأتِ منفصلة عن مزاجٍ إقليمي متوتر. بالتوازي مع الإجلاء، تتزايد الدعوات الدولية لإخراج الرعايا من إيران، وتظهر مؤشرات إعادة تموضع أميركي في الإقليم، خصوصاً في العراق، مع تقليص حضورٍ في نقاط أخرى وانسحابات من ساحات مختلفة، بما فيها سوريا. هذه ليست تفاصيل متفرقة، بل لوحة واحدة: عواصم تُخفّف خسائرها المحتملة قبل القفزة، وتتحرّك على قاعدة أن “السيناريو الأسوأ” صار على الطاولة بقوة، حتى لو استمرت لغة التفاوض في العلن.


لكن لبنان لا يقرأ هذه الإشارات مثل غيره، لأن لبنان ليس بعيداً عن خط النار. هنا لا تتحول الإجراءات إلى احتياطٍ آمن، بل إلى إنذارٍ يفضح هشاشة الساحة. فالإجلاء جاء بعد سلسلة وقائع وُضعت في خانة “رسائل المسيّرات”: نشر صور ومقاطع تُظهر قاعدة حامات ومطارها حيث يُقال إن طائرات أميركية تستخدمه ويتمركز جنود أميركيون في محيطه، ما فُهم كإشارة إلى أن المصالح الأميركية داخل لبنان ليست خارج الحساب إذا انفجرت المواجهة مع إيران. ثم تردّد الحديث عن مسيّرة سقطت قرب محيط القاعدة واستحوذ عليها الأميركيون وفتحوا تحقيقاً لمعرفة مصدرها ومسارها وما الذي صوّرته، بالتوازي مع معلومات عن مسيّرة أخرى حلّقت في محيط السفارة قبل أيام وغادرت حاملة ما رصدته. سواء كانت كل التفاصيل مؤكدة أو أن بعضها جزء من حرب الظلال، فالأكيد أن “فكرة الاستهداف” دخلت المشهد، وأن السفارة تصرفت بناءً على ذلك: رفع إجراءات، توسيع مربع أمني، ثم إخلاء جزئي.


وهنا تحديداً يتداخل الأمني بالسياسي. فالرسالة ليست أن السفارة خائفة فقط، بل أن واشنطن تريد من الدولة اللبنانية أن تُثبت أنها قادرة على ضبط أرضها قبل أن تُفرض عليها معادلات الآخرين. لذلك يتصاعد الضغط الأميركي لتسريع مسار سحب السلاح عبر الجيش اللبناني، باعتباره جزءاً من “تخفيض المخاطر” قبل أي انهيار إقليمي. في الحساب الأميركي، الخطر مزدوج: احتمال أن ينخرط حزب الله في أي مواجهة كجزء من معادلة الإسناد لإيران، واحتمال أن تلجأ طهران أو أطراف قريبة منها إلى الرد عبر نقاط أميركية في ساحات رخوة. ولبنان—بضعف أدوات الضبط وبتركيبة جبهته—يُوضع بسهولة في خانة “الساحة الرخوة” مهما ادّعى غير ذلك.


غير أن خطر لبنان لا يتوقف عند واشنطن وطهران. هناك مسار إسرائيلي يتحرك أحياناً باندفاعٍ مستقل، وقد يصبح أكثر خطورة إذا لم تقع الضربة الأميركية لإيران. الرسائل التي تُنقل للبنانيين تتحدث عن رفض إسرائيلي للمسار المعتمد في ملف السلاح، وعن استعدادٍ لفتح جبهة لبنان وتكثيف العمليات العسكرية بهدف تحطيم القدرات وفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة. وفي قلب هذا السيناريو يعود ملف الاغتيالات: تسريبات عن إصرار نتنياهو على ضربة استباقية تترافق مع عمليات اغتيال قد لا تبقى محصورة بالدائرة العسكرية. المعنى واضح: إسرائيل تريد أن تجعل لبنان يدفع ثمن “التأخير” حتى لو لم تبدأ الحرب الكبرى.


وفوق النار، تعمل إسرائيل على مشروعٍ لا يقل خطراً: تغيير الوقائع السياسية من بوابة “الإنقاذ” و“المصالح”. تبدأ بالنصائح لرفع مستوى التفاوض المباشر بين بيروت وتل أبيب، ثم تمتد إلى طرح تعاون اقتصادي وشراكات في الجنوب ضمن منطقة اقتصادية مقترحة، أو في البحر عبر الغاز. هذا ليس اقتصاداً بريئاً، بل هندسة تطويق: أمنٌ يقود إلى تفاوض، تفاوض يقود إلى مصالح، مصالح تقود إلى اصطفاف، ثم يجد لبنان نفسه يدور في الفلك الإسرائيلي سياسياً، متصلاً بما يعلنه نتنياهو عن تحالفات إقليمية تمتد من الهند إلى أفريقيا مروراً بعدد من الدول العربية.


إجلاء السفارة ليس خبراً عن موظفين يغادرون، بل عن مرحلة تبدأ. مرحلة تُرفع فيها احتمالات الانفجار، وتُعاد فيها هندسة الساحات، وتُختبر فيها قدرة الدول الهشة على البقاء خارج لعبة الرسائل. ولبنان، من دون خطة طوارئ وطنية جدية، ومن دون قرار يُسبق الكارثة، يبدو كأنه ينتظر أن يشرح له الخارج ما سيحدث… بعد أن يكون قد حدث.