لبنان ليس جبهةً بالصدفة. لبنان، في قاموس نتنياهو، هو المكان الأرخص لتصفية العقد السياسية حين تعجز تل أبيب عن تكسيرها في واشنطن. لذلك لا يُقرأ التصعيد الإسرائيلي الأخير—ولا الضربات التي طالت البقاع—كردٍّ عسكري “طبيعي”، بل كجزء من خطة ابتزازٍ إقليمي: إذا لم أستطع خنق التفاوض مع إيران على الطاولة، سأضعه تحت النار… من بوابة لبنان. هكذا تُدار اللعبة: تفاوضٌ في العلن، و”فيتو” إسرائيلي بالنار في الخلفية، وثمنٌ يدفعه بلدٌ لا يملك ترف أن يكون ساحة تجارب لأحد.
هذا ليس “غضباً” إسرائيلياً عابراً، ولا “تبادل رسائل” كما يحبون تلطيف الجرائم. إنه منهجٌ مدروس: تحويل لبنان إلى مكبّر صوت لاعتراض نتنياهو، وإلى كيس رمل يضربه كلما شعر أن صفقة واشنطن–طهران قد تخرج من يده. الرجل يريد حرباً لا تفاوضاً، وتفكيكاً لا رقابة، و”تصفيراً” كاملاً للقدرة الإيرانية لا قيوداً عليها. لأنه يعرف أن أي اتفاق حتى لو كان صارماً—يبقي لإيران هامش بقاء، والهامش بالنسبة لنتنياهو هو تهديدٌ مؤجل، لا حل. لذلك يدفع باتجاه الخيار الوحيد الذي يضمن له “صورة النصر”: تدمير شامل، شروط مذلة، وإغلاق كل باب قد يعود منه الخصم.
لكن عندما لا يحصل نتنياهو على شيكٍ مفتوح من واشنطن، يلجأ إلى البديل الذي أتقنه: رفع حرارة الأطراف كي تصبح الصفقة نفسها مكلفة سياسياً وأمنياً. يضغط حيث يستطيع، لا حيث يجب. وإسرائيل تستطيع أن تضرب لبنان أسرع مما تستطيع أن تضرب إيران، وتستطيع أن تُوسّع النار في الجنوب والبقاع أسرع مما تستطيع إقناع البيت الأبيض بحرب طويلة ومفتوحة. لذلك تُصبح الغارات آلية تفاوض بالوكالة: تل أبيب تفاوض بالقصف، وتساوم بالاغتيال، وتلوّح بالتوسيع لتقول لترامب: “اتفاقك سيُشعل المنطقة… فإما أن تُسقطه أو تجعلَه على صورتنا”.
وفي هذا المشهد، تتحول إسرائيل من “حليف” إلى “مُحرّك ابتزاز”. تضع الولايات المتحدة أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما أن تُنهي التفاوض وفق الرغبة الإسرائيلية، أو أن تتعايش مع تصعيدٍ متدرّج يهدد بتحويل كل تسوية إلى قنبلة موقوتة. هذا هو جوهر سياسة نتنياهو: لا يريد مجرد اعتراض، بل يريد حق النقض العملي—نقضٌ لا يُمارس في الكونغرس ولا في مجلس الأمن، بل يُمارس بطلعة جوية فوق لبنان.
أما لبنان، فيُراد له أن يكون “الفاتورة الجانبية” لهذا الابتزاز. سواء انتهى المسار إلى اتفاق أو إلى حرب، تُهيَّأ الأرض اللبنانية لتكون المسرح: إن تمّت التسوية، ستسعى إسرائيل إلى تعويض فشلها بتوسيع الضغط على حزب الله، وبفرض وقائع جديدة تُترجم “النصر” داخلياً. وإن سقطت التسوية، سيُدفع لبنان إلى قلب موجة التصعيد بحكم التشابك والجغرافيا، ثم يُطلب منه أن يتصرّف كدولة “منزوعة المفاجآت” في لحظة كل شيء فيها مفاجأة.
والمشكلة أن نتنياهو لا يكتفي بالنار كأداة عسكرية، بل يستخدمها كرافعة سياسية لإعادة تشكيل لبنان نفسه. اليوم قصفٌ وغارات. غداً مطالبٌ بترتيبات جديدة. بعد غدٍ فتح أبواب “التفاوض المباشر” و”الفرص الاقتصادية” و”التعاون الحدودي” تحت شعار “الاستقرار”. هذا هو خط سير المشروع الإسرائيلي: النار أولاً، ثم السياسة كملحقٍ للنار، ثم الاقتصاد كغطاءٍ للسياسة، ثم تحويل لبنان إلى تابع يدور في المدار الإسرائيلي. ليست المسألة أمنية فقط؛ إنها محاولة هندسة بلدٍ كامل على مقاس القوة.
الأقسى في القصة أن نتنياهو يراهن على نقطة ضعف معروفة: لبنان المنقسم، الدولة المترددة، والقرار المعلّق بين حسابات الداخل ورسائل الخارج. كلما طال التردد، كلما صارت الغارة أسهل. كلما غابت خطة الطوارئ، كلما صارت “المفاجأة” حقاً مكتسباً لإسرائيل. وكلما قُدّم لبنان كساحة يمكن الضغط عليها بلا ثمن، كلما تحوّل التصعيد إلى عادة لا إلى حدث.
الخلاصة ليست أن نتنياهو يستهدف لبنان لأن لبنان “خطر” عليه فقط. الخلاصة أنه يستهدف لبنان لأن لبنان، في حساباته، أضعف مكان لفرض شروطه على الجميع: على واشنطن لتعديل صفقتها، وعلى طهران لرفع الكلفة على حلفائها، وعلى بيروت لإرغامها على مسارات سياسية لا تُنتجها صناديقها ولا دستورها بل تُنتجها الغارات. هذه ليست معركة دفاعٍ كما يدّعي؛ هذه سياسة استعمار نار: تحكمٌ بالمصير عبر القصف… ثم عرض “التسويات” على الركام.
لبنان اليوم ليس بحاجة إلى بيانات إدانة ولا إلى تبريرات تقنية. هو بحاجة إلى حقيقة واحدة تُقال بلا مواربة: من يترك البلد ساحة، سيستيقظ يوماً ليجده خريطة مصالح للآخرين. ونتنياهو يتصرف على هذا الأساس تماماً: طالما لبنان يُدار كهوامش، سيبقى بالنسبة له “مساحة رخيصة” ليُشعل، ليُعطّل، وليفرض… ثم يطلب من الجميع أن يسمّي ذلك “أمناً”.


