يتحرّك لبنان  داخل ممرّ ضيّق بين صدمتين: صدمة خارجية تُنذر بأن المنطقة قد تنزلق إلى مواجهة واسعة على خط واشنطن–طهران، وصدمة داخلية تتمثّل في عجز الدولة عن إنتاج حدٍّ أدنى من قرار طوارئ يوازي حجم المخاطر. وفي اللحظة التي تتكثّف فيها الجهود العربية والدولية لتأمين شبكة أمان للجيش اللبناني، عبر اجتماعات تمهيدية تُمهّد لمؤتمر باريس في 5 آذار، يبدو البلد كمن يحاول تثبيت “عمود الخيمة” الأخير بينما تُهدَّد الخيمة نفسها من أساسها. فالرهان الخارجي على الجيش ليس تفصيلاً بروتوكولياً ولا ترفاً ديبلوماسياً، بل اعترافاً ضمنياً بأن الدولة اللبنانية، بمؤسساتها السياسية والمالية والإدارية، باتت عاجزة عن ضمان الاستقرار إذا أصاب الإقليمَ ارتجاجٌ كبير، وأن المؤسسة العسكرية هي الجهة الوحيدة القادرة – حتى إشعار آخر – على منع التحوّل إلى فوضى مفتوحة.


لكن المفارقة القاسية تكمن في أن “شبكة الأمان” المقترحة للجيش تُنسَج في الوقت الذي تتقدّم فيه رسائل تهديد إسرائيلية من النوع الذي لا يستهدف طرفاً بعينه بقدر ما يستهدف شروط الحياة في الدولة. فالتلويح بضرب البنية التحتية المدنية – المطار، المرافئ، محطات الطاقة – إذا انخرط حزب الله في أي مواجهة مرتبطة بإيران، ليس مجرّد إنذار عسكري، بل هندسة للضغط على الداخل اللبناني بكامله. المعادلة هنا مصمّمة لتجاوز الحزب كتنظيم عسكري نحو البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تتحرك تحت سقف الدولة: تحويل قرار الحرب والسلم إلى عبء جماعي، ودفع المجتمع والدولة معاً إلى ممارسة ضغط عكسي على الحزب قبل أن يُطلق أي خطوة. إنها استراتيجية ردع تتعمّد نقل الخوف من الحدود إلى أعصاب البلد الحيوية، بحيث تصبح البنية المدنية نفسها “رهينة” مسبقة لأي قرار، ويصبح النقاش الداخلي أسيراً لفكرة واحدة: تجنّب العقاب الشامل حتى ولو على حساب السيادة أو القدرة على المناورة.


في هذا السياق، لا تبدو إسرائيل منشغلة فقط بتوجيه رسالة تحذير، بل بتثبيت إطارٍ جديد للصراع: فصل الساحة اللبنانية عن الساحة الإيرانية بصورة تسمح لتل أبيب بأن تُشغّل الجبهة اللبنانية متى احتاجت، لا متى تفرض الوقائع ذلك. حين تُلوّح إسرائيل بقصف شامل للبنى المدنية، فهي عملياً تبني خيارين متوازيين: إما أن يُكبح الحزب عبر ضغط داخلي تتولاه الدولة والمجتمع تحت وطأة الخوف، أو أن تُمنَح إسرائيل “ذريعة جاهزة” تُقدَّم كحرب وقائية إذا وقع الانخراط. وبذلك تتحول الرسالة إلى أداة لصناعة الشرعية قبل المعركة، لا إلى أداة لمنعها فقط. فالحرب، في هذه المقاربة، لا تبدأ عند إطلاق الصواريخ، بل عند صياغة السردية التي تسبقها: من المسؤول؟ من ورّط البلد؟ من فتح الباب؟ وكيف تُسوّق الضربة بوصفها “ضرورة” لا “عدواناً”؟


غير أن هشاشة لبنان ليست فقط في طبيعة التهديد الخارجي، بل في طريقة استقباله داخلياً. فبينما يتعامل الخارج مع الجيش بوصفه ركيزة الاستقرار الأخيرة، يتصرف الداخل السياسي وكأنه خارج الزمن الإقليمي. يزداد المشهد عبثية حين تتزامن إشارات الإنذار مع غرق القوى السياسية في صراعات دستورية ومالية: طعون في الموازنة، اشتباكات حول مواد وصلاحيات ورسوم وإجراءات جمركية وضريبية، وسجالات مستمرّة حول قانون الفجوة المالية وتوزيع الخسائر بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف. المشكلة هنا ليست في الحق القانوني بالطعن أو في مشروعية الاعتراض، بل في غياب عقل طوارئ يتعامل مع هذه الملفات بوصفها جزءاً من قدرة الدولة على الصمود لا بوصفها حلبة صراع تُستثمر سياسياً. فالبلد الذي يُهدَّد بتدمير مطاره ومرافئه وكهربائه لا يحتمل ترف إدارة الدولة على طريقة “الأيام العادية”، لأن أي ضربة واسعة على البنية التحتية لا تُقاس بنتائجها العسكرية فقط، بل بما تخلّفه من انهيار اقتصادي ولوجستي ينسف ما تبقّى من قدرة المؤسسات على العمل ويحوّل المجتمع إلى كتلة فوضى قابلة للاشتعال.


ومن هنا تتضح وظيفة المسار الدولي الداعم للجيش: إنه ليس فقط ضماناً أمنياً، بل محاولة لمنع تفتّت الدولة عند أول ارتجاج كبير. لكن هذا المسار يصطدم بحدّين خطيرين: الأول أن تقوية الجيش لا تعوّض غياب القرار السياسي الموحد، والثاني أن إسرائيل تهدد بتدمير البيئة التي يفترض أن يعمل فيها الجيش والدولة. أي أن الدعم الخارجي يواجه معضلة بنيوية: كيف تُحصَّن مؤسسة الدولة العسكرية في بلد قد يُضرب في شرايينه المدنية فتنهار وظيفته الاقتصادية والخدماتية؟ كيف يُطلب من المؤسسة التي تُمنع الفوضى أن تؤدي دورها إذا فُقدت البنية التحتية اللازمة لإدارة المجتمع؟


في العمق، لبنان أمام معركة غير معلنة على تعريف الدولة ذاتها. إسرائيل تلوّح بمعاقبة الدولة عبر البنية المدنية إذا قرر حزب الله الانخراط، بما يعني أن الدولة تُحاسَب على قرار ليس لها السيطرة الكاملة عليه. والخارج، في المقابل، يطلب من الدولة أن تُثبت قدرتها على الإمساك بالقرار عبر تقوية الجيش ودعم الشرعية. وبين الطلب والتهديد، تقف الدولة في نقطة عجز مركّبة: مطالبة بأن تكون قادرة على الضبط في لحظةٍ لا تملك فيها أدوات الضبط السياسية الكافية، ومهددة بأن تُدمَّر أدواتها المدنية إذا فشلت في ذلك. هذه المعادلة هي جوهر الابتزاز الاستراتيجي: دفع لبنان إلى خيار “النجاة بأي ثمن” حتى لو كان الثمن هو قبول قواعد اشتباك تُفرض عليه من الخارج.


أما حزب الله، فيظهر في هذا السياق كطرفٍ يدرك فخّ الإعلان المسبق أكثر مما يدرك فخّ المعركة نفسها. فالإفصاح عن نية الانخراط يمنح إسرائيل وسهام الداخل تهمة جاهزة، والإفصاح عن عدم الانخراط يفتح باباً آخر من الضغوط ويُفهم كضعف أو تراجع. لذلك يميل الحزب إلى الغموض، ليس كترف سياسي، بل كآلية دفاعية في وجه هندسة الردع التي تريد أن تحشره بين خيارين مكلفين. لكن الغموض، مهما كان محسوباً، لا يُنتج حماية تلقائية للبنان إذا كانت إسرائيل تريد أن تجعل من البنية المدنية ساحة ضغط، وإذا كانت الدولة عاجزة عن تحويل الغموض إلى سياسة احتواء وطنية.


الخطورة الكبرى أن لبنان يتعامل مع التهديد بوصفه مسألة “قرار انخراط” فقط، بينما التهديد الحقيقي يتعلق بمدى قابلية الدولة للصمود إذا وقع الانخراط أو وقع الاستهداف حتى بلا انخراط. فكل مقاربة تحصر الأزمة بسؤال: “هل سيتدخل الحزب أم لا؟” تتجاهل أن الحرب قد تُفتح لأسباب تتصل بحسابات إسرائيلية مستقلة، وبحاجة تل أبيب إلى إعادة رسم قواعد اشتباك، أو إلى تحسين موقعها في أي تفاوض إقليمي. لذلك يصبح الرهان على تحييد لبنان وحده رهاناً ناقصاً ما لم يترافق مع بناء قدرة داخلية على امتصاص الصدمات، سياسياً وخدماتياً واقتصادياً، ومع إنتاج حدّ أدنى من “رؤية طوارئ” تمنع انهيار الدولة عند أول ضربة.


شبكة الأمان للجيش قد تمنح لبنان وقتاً إضافياً، لكنها لا تمنحه حصانة. الوقت وحده لا يساوي شيئاً إذا استُهلك في نزاعات داخلية لا تُنتج قراراً، وإذا بقيت الدولة تتصرف كأنها تملك ترف المناورات الطويلة فيما تُكتب خرائط المنطقة على إيقاع الضغوط والتهديدات. لبنان يحتاج إلى انتقال سريع من إدارة الخلافات إلى إدارة الخطر: ليس عبر شعارات، بل عبر توحيد القراءة، وضبط الإيقاع الداخلي، والتعامل مع البنية التحتية بوصفها خط دفاع سيادياً لا ملفاً تقنياً، وإلا سيبقى البلد يعيش على حافة الضربة: يُدعَم جيشه ليمنع الفوضى، فيما تُهدَّد الدولة بما يفوق الفوضى… أي بالانطفاء.