من يعطّل الإصلاح في لبنان فعلاً: الانتخابات، أم المصارف، أم المنظومة السياسية نفسها؟ السؤال يبدو بسيطاً، لكنّه يكشف جوهر المأزق اللبناني، لأن كل طرف يحاول إلقاء المسؤولية على الآخر، فيما تتراكم الخسائر ويُعاد إنتاج الحلقة نفسها منذ سنوات.
الانتخابات تُقدَّم اليوم بوصفها العقبة الظرفية أمام تنفيذ الإصلاحات المطلوبة من صندوق النقد الدولي. الحجّة تقول إنّ أي نقاش جدّي في ملفات مثل إعادة هيكلة المصارف، مصير الودائع، توزيع الخسائر، أو إصلاح النظام الضريبي، سيصبح مستحيلاً قبل أشهر قليلة من استحقاق نيابي. فالنواب لن يغامروا بقرارات تمسّ جمهورهم مباشرة، والحكومة لن تدخل في مواجهة اجتماعية مفتوحة وهي في قلب موسم انتخابي. ووفق هذا المنطق، يصبح تأجيل الانتخابات ضرورة تقنية لتمرير “الجرعة الإصلاحية” المطلوبة، ثم العودة لاحقاً إلى المسار الدستوري الطبيعي.
لكن تحميل الانتخابات وحدها مسؤولية التعطيل يختزل المشكلة ويخفي ما هو أعمق. فالإصلاح في لبنان لم يتوقف فقط عند أبواب الاستحقاقات الانتخابية. التجربة السابقة أظهرت أن الاتفاقات المبدئية مع صندوق النقد وُقّعت حتى في مواسم سياسية حساسة، ثم جُمّدت لاحقاً عندما اصطدمت بمصالح نافذة. بمعنى آخر، العجز لا يظهر فقط في لحظة الاقتراع، بل في لحظة التنفيذ، حين تتحول النصوص إلى تهديد مباشر لموازين القوة الاقتصادية والسياسية.
هنا يبرز العامل الثاني: المصارف. القطاع المصرفي ليس مجرد متلقٍّ لنتائج الانهيار، بل أحد أطرافه الأساسية. أي مسار إصلاحي حقيقي يمرّ حكماً بإعادة تقييم المصارف، تحديد خسائرها، توزيع الأعباء بين المساهمين والدولة والمودعين، وتفعيل آليات قانونية قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة بحق المؤسسات غير القابلة للاستمرار. وهذا المسار يصطدم بشبكة مصالح متشابكة بين أصحاب المصارف ودوائر سياسية نافذة. لذلك، فإن أي قانون يُفترض أن ينظّم إعادة الهيكلة يصبح ساحة شدّ حبال حول الصلاحيات، تركيبة الهيئات الناظمة، وإمكانية الطعن في القرارات. في هذه النقطة تحديداً، يتبيّن أن التعطيل لا يحتاج إلى انتخابات، بل إلى إرادة سياسية غير متوفرة.
أما العامل الثالث، وهو الأكثر حسماً، فهو طبيعة المنظومة نفسها. فالإصلاح لا يُعطَّل فقط لأن الانتخابات قريبة أو لأن المصارف تدافع عن مصالحها، بل لأن النظام القائم بُني على توازنات تمنع أي طرف من تحمّل كلفة قرار كبير بمفرده. كل إصلاح حقيقي يغيّر في توزيع النفوذ والموارد، وهذا يعني إعادة رسم حدود السلطة بين الدولة والقطاع الخاص، وبين المؤسسات الرسمية ومراكز القوى غير الرسمية. لذلك يميل النظام إلى إنتاج تسويات مؤقتة، أو إلى تمرير قوانين بصياغات فضفاضة تسمح بتأجيل الحسم. الإصلاح هنا لا يُرفض علناً، بل يُفرَّغ تدريجياً من مضمونه.
من هذا المنظور، يصبح ربط مسار صندوق النقد بتأجيل الانتخابات تعبيراً عن رغبة في شراء الوقت أكثر منه حلاً جذرياً. فحتى لو تأجّل الاستحقاق النيابي، تبقى الأسئلة الجوهرية قائمة: هل هناك قرار سياسي واضح بتحديد الخسائر وتوزيعها بعدالة؟ هل هناك استعداد فعلي لإعادة هيكلة المصارف وفق معايير شفافة ومستقلة؟ هل الدولة مستعدة لإعادة تنظيم ماليتها العامة ضمن إطار متوسط الأجل يقيّد الإنفاق العشوائي ويضبط الإيرادات؟ إذا كانت الإجابة مترددة، فلن يغيّر تبديل المواعيد شيئاً في جوهر الأزمة.
الانتخابات تعقّد التوقيت، والمصارف تعقّد التفاصيل، لكن المنظومة هي التي تحدّد الاتجاه. فإذا بقيت الإصلاحات تُدار بمنطق تجنّب الصدمة السياسية بدل مواجهتها، سيظل كل مسار مالي رهينة الحسابات الداخلية. وحينها، لن يكون السؤال لماذا يتعطل الإصلاح، بل لماذا يُعاد إنتاج الوهم نفسه في كل مرة: خريطة طريق واضحة على الورق، تتكسر عند أول احتكاك بمصالح قائمة لا تريد أن تتغيّر.


