يتحرّك لبنان وكأنه يُساق إلى خيارات أكبر من قدرته على التحكّم بها. فبينما تتجه الأنظار إلى احتمال تصعيد أميركي ضد إيران، ظهرت في بيروت فجأةً نافذة باسم مشروع الممرّ الاقتصادي المعروف بـIMEC، وتحوّل الحديث عنه من فكرة على الورق إلى مسار يُناقش على أعلى مستوى سياسي. السؤال ليس اقتصادياً فقط: هل يمتلك لبنان رفاهية “الانضمام” كمَن يختار، أم أنه يدخل لأن الرياح الدولية تريد له أن يدخل؟


وصول مبعوث فرنسي معني بالمبادرة، وفتح باب البحث في إدخال لبنان ضمنها، يحمل دلالة تتجاوز لغة الاستثمار والربط اللوجستي. ففي المنطقة، الممرّات ليست بريئة: هي خرائط نفوذ، ونقاط ارتكاز، وممرّات نفط وغاز وتجارة، وكل واحد منها يجرّ وراءه اصطفافات وشروطاً وأثماناً.

هنا تحديداً يصبح لبنان أمام معادلة دقيقة: المشاركة قد تُقدَّم كفرصة لإنعاش بلدٍ منهك، لكنها في المقابل قد تضعه في موقع حساس إزاء قوى إقليمية ترى في المشروع امتداداً لمصالح منافسيها أو تمكيناً لمسارات تُدار بتوازنات دولية.


في الواقع السياسي الراهن، لا يمكن فصل هذا الحراك عن موقع باريس في الملف اللبناني. ففرنسا تبدو اليوم الأكثر حضوراً على خط دعم الجيش، والتحضير لمؤتمر الدعم المرتقب يمنحها قدرة تأثير استثنائية: حماية مؤسسة تحتاج إلى تمويل وغطاء سياسي، مع تثبيت دور فرنسي كمرجعية في بلد تتراجع عنه شبكات المساندة التقليدية أو تُعيد ترتيب أولوياتها.

ومن هنا، يصير أي انفتاح لبناني على المشاريع الكبرى قابلاً للقراءة بوصفه جزءاً من “حزمة” أوسع: دعم مقابل التزامات، وغموض محسوب مقابل استمرار الرعاية، ومقايضات غير معلنة تُدار خلف اللغة الدبلوماسية الناعمة.


على خط الحدود، عُقد اجتماع اللجنة العسكرية المعنية بالتهدئة بتمثيل عسكري صرف تقريباً، مع تقدّم الدور الفرنسي نتيجة غياب المسؤول الأميركي المعني بالملف، في ظل انشغال واشنطن بملفات أكثر سخونة في الإقليم. قد يبدو ذلك تفصيلاً إدارياً، لكنه عملياً مؤشر إلى “تجميد محسوب”: لا أحد يريد فتح مسار تفاوضي نوعي قبل اتضاح صورة التصعيد الأميركي المحتمل.

واللافت أن الشكل نفسه يوحي بإعادة حصر النقاش في الإطار العسكري، بما يعني عملياً إرجاء السياسة إلى مرحلة لاحقة، حين تتضح ملامح التوازن الجديد الذي قد تفرضه التطورات الإقليمية.


في المقابل، خرجت إشارات محسوبة من حزب الله: محاولة واضحة لتهدئة الداخل عبر ربط أي قرار ميداني بحجم التطور الإقليمي، مع التذكير بأن هناك خطوطاً لا يمكن تجاوزها. هذا الخطاب لا يعلن انسحاباً من معادلة الردع، لكنه يحاول منع الانزلاق التلقائي إلى مواجهة واسعة قد تُدخل لبنان في كلفة لا يحتملها.

المغزى الأعمق: الحزب يريد أن يقول إنه يدير المخاطر لا أنه يتنازل عن موقعه، وأنه يوازن بين حماية بيئته الداخلية وبين قواعد الاشتباك الإقليمية.


وفي الداخل، تحركات القيادات ليست بعيدة عن هذا السياق. لقاءات تُقدَّم كبحث عام، لكنها عملياً تدور حول نقطتين لا تتقدمان عليهما أي قضية أخرى: مستقبل الاستحقاق الانتخابي في ظل اهتزاز المنطقة، ومسار تثبيت دعم المؤسسة العسكرية ضمن شبكة الرعاية الدولية المتاحة.

هناك من يتمسّك بالمواعيد الدستورية كعنوان سيادة، وهناك من يفضّل “إدارة الوقت” وتأجيل المخاطر بحجة الاستقرار. وبين الموقفين، تتسلل الحسابات الداخلية: من يخشى مفاجآت الصناديق، ومن يخشى أن يصبح البلد أسير تمديدٍ بلا أفق.


الممرّ الاقتصادي ليس مجرد مشروع نقل وتجارة. إنه عنوان لمرحلة تُعاد فيها صياغة الأدوار في المنطقة. ولبنان، بدل أن يفاوض من موقع صاحب قرار، يبدو كمن يحاول التقاط فتات هامشٍ يسمح له بالبقاء: دعم للجيش، حماية سياسية، تهدئة على الحدود، وتفاهمات اقتصادية تُدار من فوق.

المشكلة أن كل ذلك يجري فيما الإقليم على فوهة تحوّل كبير. وإذا وقع التحول، فلن يكون السؤال: “هل استفاد لبنان من مشروع جديد؟” بل: “هل بقي له موقع يختاره… أم سُمّي دوره سلفاً على طاولة الآخرين؟”