ليس الخطر في أن الولايات المتحدة “مديونة”. الخطر أنّها جعلت الدين لغةً رسمية لإدارة الدولة، وآليةً ثابتة لتمويل الرفاه والحروب معًا، ثم أقنعت العالم بأن هذا السلوك ليس أزمة… بل “طبيعة النظام”. هكذا صار الدَّين الأميركي أشبه بمحركٍ ثانٍ للاقتصاد: كلما ضعف أحدهما، شغّل الآخر. وكلما ارتفعت الكلفة، طُرح الحل نفسه: اقتراضٌ جديد لتسديد فاتورة القديم.

في هذا السياق، يرفع إيلون ماسك صوته محذرًا من مسارٍ يرى أنه يقود إلى “إفلاس بنسبة 100%”، بعدما تجاوزت الديون الحكومية عتبة الثمانية والثلاثين تريليون دولار. لكن الإنذار، مهما بدا صاخبًا، ليس بداية الحكاية. هو مجرد جرسٍ فوق مبنى قديم… بُني منذ الولادة على القروض.


الدَّين كأداة تأسيس: الدولة وُلدت بفاتورة حرب

منذ إعلان الاستقلال عام 1776، وجدت واشنطن نفسها مضطرة للاقتراض: خارجيًا من فرنسا وهولندا، وداخليًا عبر سنداتٍ شعبية تموّل حربًا مكلفة ضد بريطانيا. وبعد سنوات قليلة، بلغ الدين الإجمالي قرابة 80 مليون دولار عام 1792، ما يعادل نحو 40% من الناتج المحلي في ذلك الزمن. كان يمكن لهذه النسبة أن تُقرأ كرعبٍ مبكر… لكنّ رجلًا واحدًا قرأها كفرصة.

ألكسندر هاملتون، أول وزير خزانة، تعامل مع الدين كـ”ختم ثقة”: إذا أقرض العالم الدولة الجديدة، فهذا يعني أنه يعترف بها ويستثمر في بقائها. بل ذهب أبعد: حين يصبح للدائنين—فقراء وأغنياء—مصلحة مباشرة في استمرار الحكومة، تتحول المديونية إلى حبلٍ يربط المجتمع بالدولة ويشدّها نحو المركز الفيدرالي الوليد.

لم يتوقف هاملتون عند التنظير. دفع بخطة إصلاح اقتصادية: ضرائب ورسوم جمركية، استقطاب رؤوس الأموال الأوروبية، تأسيس بنك مركزي، وإطلاق عملة موحدة. ونجحت هذه الخلطة في تقليص الدين تدريجيًا حتى انخفض إلى قرابة النصف بحلول 1811. كانت الرسالة واضحة: الدين يمكن أن يُدار… إذا عومل كمشكلة قابلة للحل لا كنمطٍ دائم.


 جاكسون… “الدَّين لعنة”: الصفر مرة واحدة ثم انتهى الحلم

مع وصول أندرو جاكسون إلى البيت الأبيض عام 1829، دخلت فلسفة معاكسة تمامًا. جاكسون حمل عداءً شخصيًا للديون بعدما كادت تسحقه في شبابه. بالنسبة إليه ليست مجرد أرقام؛ إنها “سلاح طبقي” يقيّد الفقراء ويمنح الأغنياء مفاتيح السيطرة.

وفي يناير 1835 فعل ما بدا مستحيلًا: أوصل دين الولايات المتحدة إلى الرقم صفر—مرة وحيدة في تاريخها كله. إنجازٌ يشبه لحظة صفاء نادرة في تاريخٍ طويل من الاقتراض.

لكنّ الصفر لم يثبت. تعرّض الاقتصاد لانتكاسة أعادت الحكومة إلى الاستدانة. وبحلول 1860 كان الدين قد بلغ نحو 65 مليون دولار. ثم جاءت الحرب الأهلية لتنسف أي وهم بالاستقرار المالي.


الحرب الأهلية: عندما تتحول الخزانة إلى غرفة طوارئ

اندلاع الحرب الأهلية عام 1861 خلق ضغطًا هائلًا على الخزانة. قفزت النفقات اليومية من حدود 172 ألف دولار إلى نحو مليون ونصف مليون دولار يوميًا. بمقاييس ذلك العصر، كانت هذه قفزة تفوق قدرة الدولة على التمويل الطبيعي. فكان الحل: ضرائب جديدة—من بينها ضريبة على الدخل—وسندات تمويل لم تُطرح فقط على البنوك، بل على المواطنين أنفسهم للمرة الأولى بهذا الاتساع.

بعد أربع سنوات من الحرب، تضخم الدين الأميركي إلى ما يتجاوز 2.7 مليار دولار. ثم حدث ما يشبه “العادة الأميركية”: بعد الحرب يأتي نموٌّ طويل يخفف العبء. بالفعل، شهدت الولايات المتحدة انتعاشًا ممتدًا، ولم تُسجّل الموازنة عجزًا لمدة تقارب 28 عامًا، فانخفض الدين بنحو الثلثين، وصار يمثل أقل من 10% من الناتج القومي.

غير أنّ الحرب تركت خلفها عبئًا جديدًا لا يُمحى بالنمو وحده.


دولة الرعاية تبدأ من “معاشات الحرب”

بعد الحرب الأهلية، ظهرت ضرورة إعاشة عشرات الآلاف من المتقاعدين. أقامت الدولة برنامج معاشات التهم نحو 25% من الموازنة العامة. كانت تلك لحظة مفصلية: الدولة لم تعد “حارسًا” فقط، بل بدأت تتحول إلى “مُعيل” دائم. ومن هنا بدأ الإنفاق الحكومي يكتسب شكلًا بنيويًا… وهو ما سيكبر لاحقًا حتى يصبح أحد أعمدة الاقتصاد الأميركي، وأحد مصادر اختناقه أيضًا.


عام 1929، ضرب الكساد الكبير، ووجدت الدولة نفسها أمام خيارين: الانكماش والاختناق، أو ضخ المال لوقف النزيف. تبنّى فرانكلين روزفلت منطقًا يقوم على أن الحكومة يجب ألا تتوقف عن تمويل النشاط الاقتصادي في الأزمات، حتى لو اقترضت من الداخل: بنوك، شركات، صناديق استثمار.

توسعت البرامج الحكومية لتشغيل الشباب، وامتدّت الشبكات الاجتماعية للعاطلين وكبار السن. ارتفع الإنفاق الاجتماعي من 3% عام 1930 إلى 11% بحلول 1934. وقفز الدين من 16 مليار دولار إلى 43 مليارًا عام 1940.

ثم جاءت الحرب العالمية الثانية: تضاعف الإنفاق الحكومي أربع مرات، وارتفع الدين حتى لامس حدود 106% من الناتج المحلي. وبعد الحرب، عاد النمو ليقوم بدوره التقليدي: تقليص نسبة الدين تدريجيًا حتى بلغت نحو 39% مطلع السبعينيات—واحدة من أدنى المستويات منذ أوائل الثلاثينيات.

لكن السبعينيات كانت بوابة عهدٍ مختلف: عهد بلا قيد “ذهبي”.


لحظة نيكسون: عندما فُكّ القفل عن الدولار

تزايد الإنفاق على حرب فيتنام وبرامج “المجتمع العظيم” أعاد الدين إلى الصعود: من 370 مليارًا إلى 909 مليارات عام 1980. ثم جاء قرار نيكسون بفك الارتباط بين الدولار واحتياطي الذهب. عمليًا، انتهى سقفٌ نفسي واقتصادي كان يحدّ ما يمكن طباعته أو اقتراضه.

في عهد ريغان اتسع المسار: تعهد بتخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق العسكري في الوقت نفسه—وهي معادلة لا تدفع ثمنها إلا الخزانة. قفز الدين من 909 مليارات إلى نحو 3.2 تريليونات بحلول 1990.

والأهم: لم يعد التمويل داخليًا فقط. دخل الأجانب بثقلهم، خصوصًا دولًا راكمت فوائض تجارية مثل اليابان ثم الصين، فصار الدين الأميركي منتجًا عالميًا يشتريه الآخرون لضمان مصالحهم.


التسعينيات… ثم سقوط التفاؤل بعد 2001 و2008

في التسعينيات حاولت الإدارات الأميركية كبح العجز عبر خفض الإنفاق ورفع الضرائب نسبيًا. ساعدها ازدهار التكنولوجيا الذي ضخ عوائد كبيرة، وتراجع القلق العسكري بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. هبطت نسبة الدين من نحو 66.5% عام 1995 إلى نحو 34% عام 2000. سادت لحظة تفاؤل: بعض الاقتصاديين تحدثوا عن إمكانية سداد الديون بالكامل بحلول 2012.

ثم جاء ما كسر النمط: أحداث 11 سبتمبر، حروب طويلة في أفغانستان والعراق، ثم الأزمة المالية العالمية عام 2008. قفزت نسبة الدين من 34% عام 2007 إلى 80% عام 2009. وفي 2011 تلقّت أميركا صفعة رمزية حين خُفّض تصنيفها الائتماني لأول مرة منذ عقود.


سقف الدين: من إجراء روتيني إلى سلاح سياسي

كان رفع سقف الدين خطوة روتينية تكررت عشرات المرات. لكن في السنوات الأخيرة صار “السقف” نفسه أداة ابتزاز: كل حزب يحاصر الآخر عند حافة التعثر ليحصل على مكاسب داخلية. وبدل أن تكون الموازنة خطة حكم، تحولت إلى ساحة اشتباك.

في هذه اللحظة تغيّرت صورة أميركا في مرآتها الخاصة: لم تعد دولة تخشى التخلف عن السداد فحسب، بل دولة يقرضها العالم كي لا يغرق معها. إمبراطورية لا تجد علاجًا للديون إلا… بديون إضافية.


الفوائد تبتلع القلب… وماسك يلوّح بـ”الذكاء الاصطناعي”

اليوم، المشكلة لم تعد فقط “كم” الدين، بل “كم” كلفته. حين تصبح فوائد الديون أثقل من موازنات قطاعات حيوية كالجيش والصحة، لا يعود الخطر نظريًا. يصبح نزيفًا ثابتًا يسرق من الدولة قدرتها على القرار.

هنا يأتي تحذير ماسك: يرى أن الذكاء الاصطناعي هو “الأمل الأخير” شرط أن تُحسن أميركا استغلاله سريعًا، وأن تحقق قفزة إنتاجية تكبر بالاقتصاد قبل أن تكبر الفوائد أكثر. لكنه رهان ملغوم: التكنولوجيا لا تُصلح وحدها عجزًا سياسيًا مزمنًا، ولا تُعالج وحدها عادة قديمة اسمها “نشتري الوقت… بالدَّين”.

الديون الأميركية ليست حادثًا. إنها سيرة دولة تعلمت أن تدير الازدهار بالحرب، وتدير الحرب بالسندات، وتدير السندات بثقة العالم. لكن الثقة نفسها قد تتحول إلى فخ حين تصبح الفوائد أقوى من البرامج، والسقف أقوى من الحكومة، والسياسة أقوى من الحساب.

أميركا اليوم ليست على حافة الإفلاس بقدر ما هي على حافة سؤالٍ أخطر:
هل تستطيع إمبراطورية أن تظل إمبراطورية… إذا صار ثمن بقائها يُدفع من مستقبلها كل عام؟