لم يمرّ قانون تنظيم القضاء العدلي 36/2026 كما أراده مُعدّوه: شعارٌ لامع عن “الاستقلالية” من الخارج، ومسارٌ يفتح أبواب القضاء على السياسة من الداخل. ففي قرارٍ صادر بأكثرية أعضاء المجلس الدستوري، أُبطل القانون برمّته، في خطوة وُصفت داخل الجسم القضائي بأنها إنصافٌ طال انتظاره، لأن النص الذي أقرّه مجلس النواب في كانون الأول الماضي لم يكرّس استقلال القضاء بقدر ما أعاد تركيب الوصاية عليه بصيغٍ جديدة.

الإبطال جاء ليقطع الطريق على قانونٍ أثار اعتراضات حقوقيين وقضاة، بعدما مسّ بمبدأ فصل السلطات ووسّع عمليًا هامش تدخل السلطة التنفيذية، خصوصًا عبر منح وزير العدل مدخلًا مباشرًا إلى تسيير الدعوى العامة والملاحقات الجزائية، وفتح نافذةٍ لطلب التعقبات في ملفات بعينها. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ إن النص لم يحسم ملف المحاكم الاستثنائية، بما أبقى شبهة “العدالة الانتقائية” قائمة.


قانون باسم الاستقلال… وصلاحيات تجرّ القضاء إلى السياسة

جوهر الاعتراض لم يكن تفصيليًا. فبدل أن يذهب التشريع نحو تحرير السلطة القضائية من قبضة السياسة واعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في التشكيلات، كُرّست آلية تُعيد التدخل السياسي إلى قلب التعيينات: وزير العدل يقترح التشكيلات بدل أن تكون القاعدة هي ما يرفعه مجلس القضاء الأعلى. كذلك حافظ القانون على صلاحيات تخوّل السلطة التنفيذية التأثير في المسار المهني للقاضي، من توقيفه عن العمل، إلى إبقاء تكوين هيئة التفتيش القضائي مرتبطًا بقرار مجلس الوزراء، فضلًا عن إبقاء مواقع مفصلية كرياسة مجلس القضاء الأعلى والنيابة العامة التمييزية عرضة لمنطق التسمية السياسية.

هنا تحديدًا، شعر القضاة بأن القانون لا “ينظّم” القضاء بقدر ما “ينظّم” طرق الوصول إليه والسيطرة عليه.


“الشكل” الذي فضح المضمون

اللافت أن المجلس الدستوري لم يدخل في منازلةٍ مباشرة مع المواد المثيرة للجدل، بل أسقط القانون “بالشكل” – لكن الشكل هذه المرّة لم يكن تفصيلًا. فبحسب مقاربة المجلس، المسار التشريعي نفسه أصاب جوهر المادة 20 من الدستور التي تنص على استقلال السلطة القضائية، لأن القانون لم يستكمل شرطًا أساسيًا: أخذ رأي مجلس القضاء الأعلى بعد ردّه من رئيس الجمهورية.

وفي خلفية القرار، برزت إشكالية ثانية لا تقل خطورة: الالتباس حول الأكثرية المطلوبة لإقرار القانون (65 صوتًا). إذ حاول المجلس التثبت من العدد الفعلي للأصوات، لكن محاضر الجلسة لم تُثبت صراحة رقم المقترعين، ولم تُسجل اعتراضات واضحة، كما أن المواد السمعية المتاحة لم تمكّن من الجزم بعكس ما أُعلن. ومع تضاربٍ حول ما إذا كان رأي مجلس القضاء قد أُخذ فعلًا أم جرى الاكتفاء باعتبار “موافقة ممثل الحكومة” بمثابة موافقة المجلس، انتهى الأمر إلى نقطة قانونية حاسمة: عندما يكون الخلاف على احترام الأصول في قانون يمس استقلال القضاء، فإن أي ثغرة تصبح سببًا كافيًا للإبطال.

بكلماتٍ أخرى: المجلس لم يحتج إلى تفكيك النص مادةً مادة. الأصول وحدها كانت كافية لإسقاطه.


“إنجاز تاريخي”… ورسالة إلى البرلمان

داخل الجسم القضائي، تعامل “نادي القضاة” مع القرار بوصفه سابقةً مفصلية. فرؤية النادي أن المجلس الدستوري لم يكتفِ بإبطال قانونٍ خلافِي، بل رسم حدًا واضحًا: لا تشريع يمس القضاء يمكن أن يتجاوز المؤسسات القضائية نفسها أو يلتف على رأيها. واعتبرت رئيسة النادي، القاضية نجاة أبو شقرا، أن ما حصل يشبه محطات دستورية سابقة كبرى في حماية استقلال القضاء، مذكّرة بمواجهات تشريعية سابقة رآها القضاة مساسًا بدور القضاء وصلاحياته.

القرار، في مضمونه السياسي العميق، يوجّه إنذارًا مبكرًا: محاولة تمرير “استقلالية مُسمّاة” لا تكفي؛ المطلوب استقلالية مُثبتة بالأصول وبآليات التعيين والمحاسبة وبفصلٍ فعلي بين السلطات.


من طعن بالقانون؟

الإبطال لم يهبط من فراغ. فقد وصل إلى المجلس الدستوري استدعاءان بالطعن:
الأول تقدّم به مجموعة نواب ضمّت أسماء من اتجاهات مختلفة، بينهم: بولا يعقوبيان، حليمة قعقور، فيصل كرامي، ملحم خلف، حيدر ناصر، فراس حمدان، ياسين ياسين، إبراهيم منيمنة، سينتيا زرازير، مارك ضو، ميشال الدويهي، نجاة صليبا، شربل مسعد وعبد الرحمن البزري.
أما الاستدعاء الثاني فتقدّم به نواب التيار الوطني الحر.

هذا التعدد في الطاعنين عكس حقيقة بسيطة: القانون لم يُنتج توافقًا وطنيًا حول “إصلاح القضاء”، بل فجّر حساسيةً مشتركة عندما لامس حدود استقلاله.


ماذا بعد الإبطال؟

إبطال القانون لا يعني انتهاء المعركة، بل إعادة فتحها من نقطة أكثر صرامة: صياغة قانون ينقل القضاء من “استقلالٍ على الورق” إلى استقلالٍ في البنية. أي قانونٍ جديد لن ينجح ما لم يُحسم فيه جوهران:

  1. التشكيلات القضائية على أساس الكفاءة بعيدًا عن اقتراحات السلطة السياسية.
  2. حماية القاضي من أدوات الضغط الإداري والسياسي، مع آليات تفتيش ومساءلة مستقلة فعلًا.

الرسالة التي خرجت من قرار المجلس الدستوري واضحة: لا يمكن بناء قضاء مستقل بمواد تسمح للسياسة بأن تمد يدها إلى الدعوى العامة والتعيينات والتفتيش. ومن دون احترام الأصول الدستورية في التشريع، يصبح “الإصلاح” مجرد غلافٍ أنيق لعودة الوصاية بأسماء جديدة.