لم يعد ممكناً قراءة مأزق لبنان بوصفه خلافاً ثقافياً قديماً بين شرقٍ وغرب، أو بوصفه ارتداداً دورياً إلى سجال الهوية. ما يجري اليوم أعمق وأبرد: المنطقة تُعاد صياغتها بلغة الخرائط لا بلاغة الشعارات، بلغة الممرّات والعقد اللوجستية والكابلات البحرية والغاز ونقاط الاختناق، حيث تتحوّل “الوجهة” من خيارٍ سياسي إلى وظيفة اقتصادية–أمنية، وتتحوّل السيادة إلى القدرة على الإمساك بمفتاح العبور، أو على الأقل منع الآخرين من الاستفراد به. في هذا السياق تحديداً، يصبح لبنان نموذجاً لدولة تُستدرج إلى تعريف جديد لنفسها: لا كبلد يختار، بل كمساحة تُختار لها أدوار، ثم يُطلب منها أن تتكيّف مع الدور كأنه قدر.
الفكرة التي تحكم المشهد هي أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة فرزٍ لا تُدار بالعواطف ولا بالتاريخ وحده، بل بمعايير قبول تُفرض من الخارج. هنا يطلّ خطاب بنيامين نتنياهو، لا كتصعيد ظرفي ضد خصم محدد، بل كمحاولة لصناعة قاموس سياسي جديد للمنطقة. حين يروّج لتحالفات تمتد عبر شرق المتوسط وتتشابك مع الهند وتستند إلى جزرٍ ودول صغيرة وتستثمر علاقات مع بعض العرب وصولاً إلى شمال أفريقيا تحت عنوان مواجهة “الراديكالية” بمختلف تسمياتها، فهو لا يقترح تعاوناً أمنياً فحسب، بل يطرح امتحاناً: من يدخل نادي “الاعتدال” كما تعرّفه إسرائيل، ومن يُرمى خارج الدائرة مهما كانت هويته أو مشاريعه. بهذا المعنى تصبح المواجهة مع إيران مستوى واحداً داخل مشروع أوسع يهدف إلى إقفال المجال أمام ولادة ثقل عربي أو إسلامي مستقل، سواء جاء عبر تقاطع سعودي–تركي، أو عبر إعادة تموضع سورية، أو عبر أي صيغة توازن تُبقي لإسرائيل منافساً على دور المركز في الإقليم.
وإذا كانت قدرة نتنياهو على جذب العواصم الكبرى إلى حلفٍ صلب ليست مضمونة ولا سهلة، فإن منطق المشروع لا يتوقف عند هذا العائق، بل يلتف حوله. بدلاً من استقطاب “الكبار” دفعة واحدة، يجري العمل على حلقات أصغر وأقل كلفة وأكثر قابلية للتطويع: دول هشة، دول صغيرة، أو مساحات داخل الدول يمكن الاستثمار في شقوقها. في السياسة الجيوبوليتيكية، حين يصعب جرّ الدولة كاملة، يبدأ اللعب على ما دون الدولة: كيانات قابلة للتصنيع، عناوين “إنسانية” قابلة للتحول إلى مسارات سياسية، ووقائع تُفرض على الأرض لتصبح لاحقاً مادة تفاوض. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل جزء من هندسة نفوذ تُفضّل الوحدات الأصغر لأنها أضعف من الرفض وأشد حاجة إلى غطاء خارجي كي تعيش.
هكذا يغدو لبنان هدفاً مثالياً. ليس لأن إسرائيل “تريده” فحسب، بل لأن تركيبته تجعل منه مفصلاً قابلاً للضغط في لحظة تُدار فيها السياسة كشبكات. تعدديته، هشاشة دولته، انقساماته المزمنة، وموقعه على تماس مباشر مع إسرائيل تمنحه قيمة مزدوجة في نظر من يريد إدخال المنطقة في فرز جديد: هو قابل لأن يُضغط عليه، وقابل لأن يُقدَّم له الإغراء كتعويض، وقابل لأن يتحول—إذا تم تطويعه—إلى حلقة تعطيل ضد مسارات أخرى. في هذا المنطق، لا يُطلب من لبنان أن “يحب” إسرائيل أو أن يقتنع بخطابها؛ المطلوب أن يتصرف بوصفه قطعة داخل شبكة تمنح إسرائيل مكاسب متلازمة: إعادة تعريف الحدود السياسية على هيئة ترتيبات أمنية–اقتصادية، تثبيت شرق المتوسط كساحة تُدار عبر بوابة إسرائيلية، والإبقاء على لبنان كخاصرة ضغط على سورية عند الحاجة، وكعقدة يمكن استخدامها لإرباك أي تقاطع إقليمي قد ينتج محوراً منافساً.
وتحت هذا السقف بالذات، يصبح الحديث عن الممرات الاقتصادية أكثر من وعد بالازدهار. الممر ليس طريقاً محايداً؛ إنه منظومة شروط. الدولة التي تدخل ممرّاً تدخل معه قواعد تشغيل: أمنية، تنظيمية، مالية، وأحياناً سياسية خالصة. الممرّ يكافئ من ينضبط، ويعاقب من يشذّ، ويخلق في الداخل طبقة مصالح ترى خلاصها في الالتحاق ولو على حساب الاستقلال. لذلك لا تعود الخطوات “التقنية” بريئة: ترسيم، تفاهمات بحرية، هندسة مرافئ، عقود لوجستية، كلها يمكن أن تتحول إلى إشارات اصطفاف. الخطر ليس في التجارة نفسها، بل في لحظة تصبح فيها التجارة منطق حكم، ويصبح مفتاح العبور بيد طرف يستطيع إغلاقه عند أول خلاف.
وما يزيد تعقيد اللحظة اللبنانية أن الخرائط المجاورة لم تعد ثابتة. تبدّل موقع سورية وتغيّر أولويات بعض القوى الإقليمية يفتح الباب أمام تصور جديد للعبور: خطوط برّية تنافس إغراء المتوسط وتكسر احتكاره، وتقاطعات سعودية–تركية في الملف السوري تجعل “البرّ” منافساً فعلياً للبحر. حين يصبح البر ممكناً، تصبح مشاريع البحر أقل قداسة، وحين تتعدد البدائل، يصبح احتكار البوابة أصعب. لكن لبنان، بدل أن يستثمر تعدد البدائل لصالحه، يجد نفسه مهدداً بأن يتحول إلى ساحة صراع خطوط: إذا اندفع كلياً نحو خط متوسطي محكوم بشروط إسرائيلية–أميركية فقد يصطدم لاحقاً بمسارات عربية صاعدة، وإذا بقي متردداً بلا استراتيجية فإنه لن يبقى خارج اللعبة، بل سيتحوّل إلى ملعب تُفرض عليه الوقائع من دون أن يمتلك قدرة التوازن.
وفوق كل ذلك، تظل الولايات المتحدة العامل الذي لا يغيب حتى حين يتظاهر بأنه محايد. المنطقة قد تبدو وكأنها تتجه إلى محورين متقابلين، لكن الأرجح أنها تتجه إلى توازن مُدار تحت سقف واشنطن، حيث تستطيع الولايات المتحدة دعم مسارات تبدو متعارضة لأن المفاتيح الكبرى ما زالت في يدها: الأمن، التمويل، التكنولوجيا، والعقوبات. في العمق، الأولويات ثابتة: أمن إسرائيل قاعدة لا ملفاً، الطاقة ومساراتها رافعة نفوذ، ومنع الممرات من التحول إلى أبواب مفتوحة لمنافسين دوليين. لذلك يتنافس اللاعبون الإقليميون على خرائط العبور داخل ملعبٍ قواعده ليست لهم بالكامل، ولبنان يُطلب منه أن يختار داخل هذا الملعب، بينما شروط اللعبة تُكتب خارج بيروت.
بهذا المعنى، ليست أزمة لبنان أنه يعود إلى سؤال الهوية، بل أنه يُدفع إلى تعريف هويته بوصفها “مكاناً على خريطة غيره”. الخطر الحقيقي أن تتحول وجهة البلد إلى عقد إذعان، وأن يصبح دوره مجرد وظيفة: حلقة في شبكة، عقدة ضغط، بوابة تُفتح وتُغلق. والبلد الذي لا يصوغ تموضعه بعقل استراتيجي سيتحول تلقائياً إلى تموضع يصوغه الآخرون له. في عصر تُستبدل فيه الأعلام بالخرائط، يصبح الاستقلال هو القدرة على منع الآخرين من كتابة دورك نيابة عنك، وعلى تحويل الموقع من عبء إلى ورقة تفاوض، لا إلى قيدٍ يُقفل على الدولة كلما تغيّر اتجاه الريح.


