في الضفّة الغربية، لم يعد السؤال: هل تنوي إسرائيل الضمّ؟ بل: لماذا تصرّ على تسميته بغير اسمه، وكيف تُنجزه خطوةً خطوة من دون أن تدفع ثمن الإعلان؟ ما يجري اليوم ليس موجة إجراءات متفرّقة، ولا “تشدّدًا” موسميًا مرتبطًا برمضان أو بحكومة أكثر تطرّفًا. إنه نمطٌ متكامل يشتغل على مسارين في آن: مسار “قانوني” يقدّم الضمّ كإدارة عقارية، ومسار ميداني يفرضه كأمر واقع، ثم يترك الزمن يشرعن ما لا تُشرعنه السياسة.


العبارة التي قالها بتسلئيل سموتريتش، واصفًا ما يحدث بأنه “ثورة استيطانية”، ليست زلّة لسان. إنها اعترافٌ بوظيفة المرحلة: نقل الاستيطان من كونه مشروع ضغط أو ابتزاز داخل النظام الإسرائيلي، إلى كونه برنامج حكم كامل، تُسخَّر له الدولة بأجهزتها وخرائطها وتمويلها وشرطتها. الفرق الجوهري هنا أن إسرائيل لا تعمل فقط على زيادة عدد المستوطنات أو توسيع القائم منها، بل على إعادة تعريف الضفة نفسها: ما هو فلسطيني يصبح “متنازعًا عليه”، وما هو “متنازع عليه” يصبح “أرض دولة”، وما هو “أرض دولة” يتحوّل إلى رصيد جاهز للاستيطان، ثم يجيء الجيش والشرطة ليغطّيا “الانتقال” من الورق إلى الحجر.


وهكذا تتقدم الحكاية تحت غطاءين: غطاء اللغة الإدارية (تصنيفات، مخططات، أحزمة، أملاك دولة)، وغطاء القوة الميدانية (اقتحامات، هدم، اعتقالات، وتواطؤ أو تسهيل لاعتداءات المستوطنين). وبين الغطاءين، تُصاغ حقيقة واحدة: الضمّ لا يحتاج إلى علم يُرفع فوق مبنى، يكفيه طريقٌ يُشقّ، وتلة تُحصّن، ومنزل يُهدم، ومزرعة تُحرق، ثم قرار محكمة أو لجنة “تنظيم” يصف ما حدث بأنه “إجراء قانوني”.


المشهد على الأرض، كما ينعكس في التغطيات، ليس محصورًا في بقعة واحدة. ما يميّزه أنه ممتد من الشمال إلى الجنوب، وكأنه توزيع ضغط مدروس كي لا يبقى مكان “هادئ” خارج الخطة. سلفيت تحت عملية عسكرية، والخليل وبيت لحم ونابلس وشرقي القدس أمام مسار هدمٍ متواصل، وقلقيلية وطولكرم في دائرة اقتحامات تتكرر. حين تتزامن هذه الحركات وتتكثف في الأسابيع الأخيرة، فإنها تفعل ما هو أخطر من الضرر الآني: تُطبع الاستثناء كقاعدة، وتجعل العنف الإداري والميداني روتينًا.


والأرقام التي تُتداول في هذا السياق، مهما اختلفت الجهات حول تفاصيلها، تشير إلى اتجاه لا لبس فيه: عمليات هدم بالمئات، ومنشآت تُزال بالآلاف، وإخطارات هدم تتراكم كحكم مؤجّل على حياة كاملة. أما الاعتداءات، فصورتها أشد فداحة لأن دلالتها سياسية وليست أمنية فقط: حين تُسجَّل اعتداءات بعشرات الآلاف خلال عام، وتكون الحصة الأكبر للجيش، ثم تأتي حصة المستوطنين، فأنت أمام واقع يقول إن المستوطن ليس “طرفًا منفلتًا”، بل ذراع يعمل في مناخ حماية، أو في شراكة غير معلنة. هنا يصبح المستوطن وظيفة ضمن منظومة، لا مجرد فرد في هامشها.


في المقابل، تبدو ردود الفعل العربية والإسلامية والأوروبية كأنها تعرف الحقيقة لكنها لا تملك الجرأة على التعامل معها كحقيقة. الرئاسة الفلسطينية تصف ما يجري بأنه ضمّ فعلي وتدين تحويل الضفة إلى “أملاك دولة”. ثماني دول عربية وإسلامية تعلن موقفًا موحدًا وتصف الخطوات بأنها غير قانونية وتصعيد خطير. الاتحاد الأوروبي يرفض توسيع السيطرة ويعتبره تصعيدًا جديدًا. رابطة العالم الإسلامي تدين. لكن، ماذا بعد؟


المشكلة ليست في نقص الإدانة. المشكلة في أن الإدانة تحولت إلى طقس سياسي لا يغيّر الوقائع. إسرائيل تعيش منذ زمن على قاعدة بسيطة: إن كان أقصى ما ستدفعه هو “رفض لفظي”، فالأرض ستُستكمل. تُراهن على ذاكرة دولية قصيرة، وعلى انقسام أوروبي يعطل أي عقوبات جادة، وعلى شبكة مصالح تجعل الكثيرين يفضّلون الكلام على الفعل. وهي، قبل ذلك كله، تستند إلى ورقة القوة الأكبر: الدعم الأميركي والفيتو الأميركي. بهذه الورقة، تُخفض كلفة التحدي، وتُفرغ القانون الدولي من مفاعيله العملية، فيصير القانون نصًا جميلًا بلا قدرة ردع.


وهنا تحديدًا تتضح مأساة “أوراق الضغط” لدى الأطراف الأخرى. العرب والمسلمون لديهم شرعية موقف، وحيثيات قانونية دولية واسعة ضد الاستيطان. الاتحاد الأوروبي لديه نظريًا أدوات اقتصادية وقانونية مؤثرة. المجتمع الدولي يملك خطاب حل الدولتين. لكن هذه الأوراق تفقد وزنها حين لا تتحول إلى خطوات. البيانات وحدها لا توقف جرافة، ولا تمنع مستوطنًا من الاعتداء، ولا تُعيد بيتًا هُدم. وفي اللحظة التي تتكرس فيها هذه الحقيقة، ينتقل الصراع من صراع على “الشرعية” إلى صراع على “القدرة”: من يملك القدرة على خلق واقع، سيجعل الشرعية تلحق به لاحقًا أو تتعايش معه.


من هنا، يصبح الحديث عن “مسارات محتملة” أقل تفاؤلًا وأكثر برودة. استمرار القضم يبدو المسار الأرجح، لأن أدواته تعمل بلا توقف، ولأن كلفته الدولية محدودة. تجميد الاستيطان احتمال ضعيف ما دام الضغط الحقيقي غائبًا. إلزام إسرائيل بقرارات الأمم المتحدة أضعف ما دام ميزان القوة يميل حيث تميل الحماية الأميركية. وعليه، فإن الخطر الأكبر ليس قرارًا واحدًا هنا أو تصنيفًا هناك، بل “تراكم” خطوات صغيرة تُنتج في النهاية جغرافيا جديدة: طوق استيطاني يلتف حول القدس ويتجاوز حدود 1967 عمليًا، وطرق ومناطق أمنية تقطع التواصل بين المدن والقرى، ومناطق تُفرّغ تدريجيًا، وفلسطينيون يُدفعون إلى جيوب مكتظة تُدار كـ“مساحات سكان” لا كأرض ذات سيادة.


وإذا أردنا أن نقرأ المستقبل القريب بأقسى صراحة، فإن ما يُختبر اليوم هو تحويل الضفة إلى كانتونات: مساحة فلسطينية محصورة في نقاط مأهولة، مقابل مساحة واسعة تُدار كرصيد استيطاني وأمني. هذا ليس سيناريو روائيًا؛ إنه منطق ما يحدث حين تُستهدف مناطق بعينها بالهدم والتضييق، وحين تُترك اعتداءات المستوطنين تعمل كآلة ترهيب يومي، وحين يُراد أن يصبح البقاء عبئًا، والهجرة “حلًا فرديًا” يتكرر حتى يتحول إلى نتيجة عامة.


قد تمتلك إسرائيل القوة، لكنها لا تمتلك “شرعية” ما تفعل، وهذه إحدى نقاط ضعفها القليلة. غير أن الشرعية وحدها لا تعني شيئًا حين تُترك بلا أدوات. لذلك، المعركة الحقيقية لم تعد على توصيف الخطوات الإسرائيلية—الجميع يصفها ويدينها—بل على سدّ الفجوة بين الإدانة والفعل. لأن الضمّ الصامت ينجح دائمًا حين يطمئن إلى أن العالم سيكتفي بالاعتراض… بينما هو يواصل كتابة الخريطة.