في بلدٍ يتعثّر في إصلاحٍ واحدٍ حقيقي، تتقدّم السلطة دائماً بالخطوة الوحيدة التي لا تحتاج إلى إدارة ولا إلى خطة ولا إلى دولة: زيادة ضريبةٍ جاهزة على الاستهلاك. هكذا حصل في 16 شباط، حين قرّر مجلس الوزراء رفع رسم الاستهلاك الداخلي على البنزين إلى 16 ألف ليرة لكل ليتر، أي 320 ألف ليرة على كل صفيحة 95 أوكتان، ومرّر في الحزمة نفسها مشروع قانون لرفع ضريبة القيمة المضافة إلى 12% بدل 11%، مع رسمٍ مقطوع على المستوعبات: 50 دولاراً لكل كونتينر 20 قدماً و80 دولاراً لما هو 40 قدماً وما فوق. الرسالة كانت واضحة: حين تضيق الخزينة، تُفتح الطريق الأقصر عبر الناس، لا عبر مكامن التهرّب والهدر.
ولكي لا يبدو القرار مجرّد جباية عارية، جرى تغليفه بحجّة “الإنصاف الاجتماعي” للقطاع العام: أربع رواتب أساس إضافية للعاملين في الدولة، في الخدمة والمتقاعدين، ليرتفع العدد إلى 26 راتباً، بكلفةٍ إجمالية قُدّرت بـ618 مليون دولار، يضاف إليها 162 مليون دولار لزيادة التعويضات العائلية ومنح التعليم. حتى داخل مجلس الوزراء لم يمرّ الأمر بلا ملاحظات: سُجّلت اعتراضات وزراء حركة أمل باستثناء وزير المال ياسين جابر، ووزراء حزب الله والقوات اللبنانية والكتائب. لكن الاعتراض بقي أقرب إلى “تسجيل موقف” منه إلى تعطيل قرار؛ فالمعروف في هذا النظام أن الضريبة تمرّ أحياناً بإجماعٍ على تحميلها للناس، ثم يتوزّع السياسيون لاحقاً على أدوار “المؤيد” و”المعترض” بحسب الحاجة.
في اليوم التالي جاء التنفيذ أسرع من أي مشروع إصلاحي مؤجل: جدول تركيب الأسعار صدر موقّعاً من وزير الطاقة جو الصدّي، وتضمّن زيادة على الصفيحة بنحو 361 ألف ليرة. لم يحتج الشارع إلى كثيرٍ من الشرح كي يفهم: ما يُقال إنه “تمويل” للقطاع العام سيُقتطع مباشرة من حركة الناس اليومية. انفلتت ردود الفعل: قطع طرقات وتوترات ورفعٌ عشوائي لتعرفة النقل، خصوصاً من قبل بعض سائقي السيارات العمومية. ثم بدأت محاولة إدخال الغضب في القنوات المعتادة: نقابات وروابط واتحادات، دعوات إلى إضراب الخميس، مساعٍ لضم روابط الأساتذة والعسكريين المتقاعدين إلى جانب الاتحاد العمالي العام والإدارة العامة. بدا كأن الشارع وجد أخيراً مساراً منظماً… قبل أن يتضح أن التنظيم ذاته جزء من آلية الاحتواء.
فما كاد المشهد يتماسك حتى تفكّك بجلسة واحدة في السراي الحكومي: لقاء جمع رئيس الحكومة نواف سلام بوزير المال ياسين جابر ورئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر ورئيس اتحادات النقل البري بسام طليس. بعده خرج وزير المال بخلاصة تصلح لإطفاء الحريق بأقل كلفة سياسية: “عدم السماح بانعكاس الزيادة على تعرفة النقل العام”، وتثبيت التعرفة المتفق عليها مع وزارة النقل، ثم العبارة التي تُستخدم عادة كمهدّئ طويل المفعول: الحكومة “لن تتمسك” بزيادة الـ1% على ضريبة القيمة المضافة “إلى حين استكمال الدراسة بشكل أعمق”، مع وعدٍ بمراجعة الملف “بشكل عام”.
هنا يظهر جوهر المشكلة: كيف تُدار الاعتراضات في لبنان. النقابات والاتحادات كثيراً ما تُستدعى لتأدية دور “الوسيط” بين السلطة والشارع، لكنها في الواقع تُعامل كأداة لضبط الإيقاع، لا كقوة ضغط مستقلة. ليس سراً أن كثيراً من هذه الأطر يعيش على صلةٍ عضوية بقوى سياسية؛ لذلك لا يعود مهماً أن تسألها: ما الهدف الاستراتيجي للتحرك؟ هل هو كسر القرار أم فقط تدوير الغضب؟ لأن التحرك نفسه غالباً يُفصّل على مقاس “تنفيسة” لا على مقاس مواجهة. والنتيجة المتكررة: تُمنح الناس جملة واحدة قابلة للتصديق—“سنراجع”—فتنخفض الحرارة، بينما يبقى جوهر القرار نافذاً حيث لا يجرؤ أحد على لمسه.
اللافت أن “الوعد” بإصلاح ضريبي شامل جاء في توقيتٍ مثالي ليؤدي وظيفة سياسية محددة: نقل النقاش من قرارٍ نافذ اليوم إلى مشروعٍ مؤجل غداً. في هذه الأثناء، ستناقش الحكومة بنداً أول على جدول أعمالها بعنوان واسع: تفعيل تحصيل الإيرادات المتوجّبة، مكافحة التهرّب الجمركي والضريبي، إشغال الأملاك العامة البحرية والنهرية، متابعة أوامر التحصيل المتعلقة بالمقالع والكسارات، والبحث في التدقيق الجنائي في عدد من الوزارات والإدارات، استناداً إلى مداولات جلستَي 13/1/2025 و16/2/2026. على الورق، تبدو قائمة حربٍ على الفساد والتهرّب؛ في الواقع، تتحول في كثير من الجلسات إلى عنوان بلا ملفات، وشعار بلا مستندات، وبند “يُقرأ” أكثر مما “يُناقش”. فإذا كان المقصود فعلاً مشروع إصلاح ضريبي، أين هو؟ وأين الدراسة؟ وأين الإجراءات القابلة للتنفيذ؟ ولماذا يعود الأمر كل مرة إلى العبارات نفسها وكأنها تُستعمل لتجميل قرار الجباية لا لتأسيس سياسة مالية عادلة؟
من هنا ينتقل السجال إلى ما هو أعمق من بنزين وTVA: هل لبنان ينتج أجندة إصلاحه من الداخل أم يتلقاها جاهزة من الخارج ثم يكيّفها سياسياً؟ في وزارة المال، تُنفّذ برامج وتُكتب مشاريع بمساعدة خبراء أوفدتهم وزارة الخزينة الفرنسية، وتُصاغ تعديلات أساسية على قوانين حساسة وفق ملاحظات صندوق النقد الدولي، ثم لا تلبث الملاحظات أن تتوالد: ملاحظات على ملاحظات، وتأجيلات على تأجيلات، وكأن القرار الوطني يتحول إلى دفتر ملاحظات خارجي يُقرأ في بيروت. ويكفي أن تنظر إلى نماذج بعينها: مشروع “السكانر” في مرفأ بيروت الذي انتقل من “أفكار” وضغوط إلى عقد BOT تنفذه شركة خاصة ذات طابع فرنسي–لبناني، أو إلى تاريخ الضغط الطويل لرفع الـTVA قبل الانهيار، وهو مطلب تكرر مراراً ولم يجد طريقه إلى التنفيذ إلا في محطات محددة وبصيغ تُلبس لباس “الضرورة” وتُمرر كقدر.
الأدهى أن السلطة نفسها لا تبدو متماسكة حتى في طريقة تسويق خياراتها داخلياً. فوزير المال المحسوب على الرئيس نبيه بري طرح رفع الـTVA بنسبة 1% ضمن الحزمة، بينما تُنقل أجواء عن أن بري تبلّغ من جابر أن المطروح هو رفع رسم البنزين فقط، واستاء لأنه لم يُطرح أمامه خيار زيادة الـTVA على النحو ذاته. هذا التفصيل ليس هامشياً: هو مؤشر إلى أن ما يُسمّى “أجندة محلية” يتحرك أحياناً بلا توافقٍ داخلي واضح، وأن التسويات تُصنع بعد الضربة لا قبلها، ثم تُقدَّم على أنها “مراجعات” و”تصحيحات” لا اعترافاً بأن القرار اتخذ أولاً ثم جرى البحث عن تبريره لاحقاً.
سيخرج اللبنانيون من هذه الحلقة كما خرجوا من حلقاتٍ كثيرة: ستُنسى ضربة البنزين تدريجياً تحت ضجيج “مراجعة” الـTVA، وستعود الاتحادات والروابط إلى وضع الاستعداد بانتظار إشارة جديدة، وسيبقى ما لا يحتاج إلى قانونٍ ولا إلى نقاشٍ نيابي قائماً: الجباية اليومية على الوقود، تلك التي تمرّ من دون أن يتوقف عندها أحد إلا عندما تنفجر في الشارع. أما الطعون القانونية التي تُقدّم ضد القرارات، فستدخل بدورها دهاليز مراجعات تُحسم في بلد يعرف الجميع أن المرجع النهائي ليس النص وحده، بل أيضاً شبكة التعيينات والولاءات التي تحدد متى يُبطل القرار ومتى يُحمى.
هكذا تعمل المنظومة حين تعجز عن الإصلاح: تسرع إلى الضريبة الأسهل، وتبطئ أمام الموارد الأصعب، ثم تستدعي “الاحتواء” عبر لقاءاتٍ وتصريحات، وتغطي كل ذلك بوعدٍ كبير اسمه “إصلاح ضريبي شامل”. الوعد نفسه يتكرر، فيما الفاتورة تُدفع فوراً، وبلا أي حقٍ في الاعتراض إلا ضمن حدود “التنفيسة” المسموح بها.


