لم يعد اسم «أوبتيموم إنفست» تفصيلاً تقنياً في هامش الأزمة المالية، بل صار عنواناً لمدخلٍ واضح إلى طريقة إدارة المال العام خارج الرقابة: عملياتٌ تُدار بين مصرف لبنان ووسيطٍ خاص، وأرباحٌ تُسجَّل بسرعة لغايات محاسبية، ثم تُقفل الأبواب عند النقطة الأهم: حسابٌ ثالث ظلّ سنواتٍ فوق السؤال، هو حساب الاستشارات.


القضية التي سُمِع عنها كثيراً وبقيت معلّقة ليست لغزاً لأن الوقائع ناقصة، بل لأن الخيوط الأساسية جرى حجبها: داتا لم تُسلَّم حين طُلبت، كشف حساب لم يُفتح للرأي العام، وأسماء مستفيدين لم تُعلن رغم أن كل شيء يمرّ—نظرياً—عبر نظام مصرفي لا يجهل أصحاب الحسابات.


في عهد رياض سلامة، تحوّل حساب الاستشارات إلى مساحة “مرنة” خارج الرقابة الفعلية. ليس حساباً عادياً في مؤسسة عامة، بل صندوقاً أسود تُدار عبره نفقات لا أحد يعرف معيارها ولا حدودها. الأخطر أن السلطة السياسية لم تتصرف يوماً كسلطة رقابية على مصرفها المركزي؛ تصرفت كحليفٍ صامت، لأن استمرار المنظومة كان أهم من معرفة الحقيقة. بهذا المعنى، لم يكن الحساب يُخفي المال فقط، بل كان يُخفي العلاقات: من يُموَّل؟ من يُكافأ؟ من تُشترى به خدماته أو صمته؟


قبل «أوبتيموم»، كانت واجهة أخرى تحمل اسم «فوري». ومع تراكم الأسئلة حول دورها والتحويلات التي عجزت السلطة عن تبريرها، لم تتوقف الآلية بل تبدّل القناع. ظهرت «أوبتيموم» في الوقت المناسب، وبالصفة التي تفتح لها الباب قانونياً للتعامل مع مصرف لبنان، بعدما توسّعت أنشطتها وتغيّر تصنيفها بما يسمح لها بالدخول إلى “النادي” الذي لا يدخله عادة إلا من يملك الغطاء.


بين عامَي 2015 و2018، نُفّذت عشرات العمليات وفق نموذجٍ واحد تقريباً: يمنح مصرف لبنان الشركة قرضاً بالليرة لشراء أدوات مالية محددة صادرة عنه (شهادات إيداع أو سندات خزينة)، ثم في اليوم نفسه تعيد الشركة بيع هذه الأدوات للمصرف المركزي. لا سوق ولا مخاطرة ولا زمن استثمار. حركة دائرية داخل غرفة مغلقة، تنتج “ربحاً فورياً” وكأنه ثمرة اقتصاد حقيقي. ووفق الوقائع المتداولة رسمياً في هذا الملف، وصلت الأرباح إلى مستويات فلكية تقارب 8.15 مليارات دولار، فيما كانت حصة الشركة من عمولات الخدمات مبلغاً محدوداً نسبياً.


لكن جوهر القضية ليس من ربح “العمولة”، بل لماذا احتاج مصرف لبنان إلى هذه اللفة أصلاً. ما الذي تفعله شركةٌ وسيطة في مسارٍ يستطيع المصرف تنفيذه مباشرة؟ ولماذا تُنتج أرباحاً محاسبية بهذا الحجم؟ هنا تحديداً تظهر وظيفة هذه العمليات: صناعة أرقام تُستخدم لترميم ميزانية، لإخفاء خسائر، لتأجيل الاعتراف بالانهيار، ولإطفاء فجوات على الدفاتر بدل إطفائها في الواقع.


التحوّل الأخير في الملف جاء عبر ردّ حكومي على سؤال نيابي حول «أوبتيموم»، نقل معلومات قيل إنها وردت من حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيد، الذي أعلن سابقاً أنه ينوي الادعاء على الشركة وعلى كل متواطئ يظهره التحقيق. غير أن الادعاء لم يحصل حتى الآن، رغم أن المصرف—بحسب ما تردد—أجرى تدقيقاً داخلياً جنائياً خاصاً، ورغم أن الداتا الأساسية يفترض أنها بحوزته. هنا يصبح التأخير بحد ذاته سؤالاً: ما الذي يمنع تحويل الوقائع إلى ملاحقة فعلية؟ ومن يحمي الوقت كي لا يتحول الملف إلى محكمة؟


ثم تأتي النقطة الأخطر: تحويلات خرجت من المسار الذي قيل إنه خُصص “لإطفاء الخسائر”. فبحسب ما نُقل في هذا السياق، تم تحويل نحو 176.7 مليار ليرة، أي ما يقارب 118 مليون دولار، إلى حسابات أخرى تحت عناوين عامة: دعم نشاطات مختلفة، بدلات استشارات، وأغراض غير واضحة. هذه ليست هوامش، بل قلب القضية: من هم أصحاب هذه الحسابات؟ ما هي النشاطات التي تستحق تمويلاً بهذا الحجم من مسارٍ مرتبط بمصرف منهار وأموال مودعين؟ ولماذا لا تُعلن الأسماء طالما أن المصرف يملك الداتا ويعرف مسار التحويلات؟


إذا كانت المعلومات متوافرة، فالكتمان قرار لا نقص. وإذا كان القرار قائماً، فهو يعني شيئاً واحداً: أن كشف المستفيدين قد يفتح على شبكة أكبر من شركة ووسيط وحاكم. قد يفتح على نظامٍ كامل كان يتغذى من حسابٍ بلا رقابة، ويعيد توزيع المال وفق منطق الولاءات لا منطق الدولة.


وزادت الصورة قتامة مع الإشارة إلى أن نحو 33 مليون دولار من أصل هذه المبالغ المحوّلة ذهبت إلى الهيئة العليا للإغاثة لتسديد حصة لبنان من كلفة المحكمة الدولية. هنا يُطرح سؤالٌ إضافي لا يقل خطورة: بأي سند استُخدمت أموال مرتبطة بخسائر المصرف وحقوق المودعين لتغطية التزام سياسي-قضائي بهذا الحجم؟ ومن قرر؟ ومن وقّع؟ ومن راقب؟


«أوبتيموم» ليست قضية شركة، بل اختبار ما تبقّى من دولة: إمّا أن تُكشف أسماء المستفيدين النهائيين من التحويلات، ويُفتح حساب الاستشارات على الحقيقة، وتُحال الوقائع إلى القضاء المالي فوراً… وإمّا أن يبقى كل شيء في خانة “قيد التدقيق” حتى يبرد الملف، وعندها يتحول كل من يملك القدرة على كشف الحقيقة ولا يفعل إلى شاهدٍ رسمي على الجريمة، لا إلى خصمٍ لها.