لا يمرّ الشرق الأوسط بـ“توتر” عابر، بل يقف عند حافة قرارٍ كبير يُدار ببرودة قاتلة: في مسقط تُحرَّك آخر محاولات خفض اللهيب، وفي تل أبيب وواشنطن تُستكمل في الوقت نفسه خرائط الأهداف كأن الحرب جاهزة على الرفّ تنتظر إشارة التشغيل. وبين هذين المسارين، يجلس لبنان في مقعد المتفرّج الإجباري: يُقال له “اطمئنّ” ببيانات التهدئة، ويُصفَع على الواقع بغاراتٍ تُذكّر بأن ما يُطبخ على الطاولات لا يُقدَّم إلا “مُطعَّماً” بالنار.


على الأرض، الرسائل لا تحتاج إلى ترجمة. الغارات العنيفة التي ضربت اليوم البقاع بين شمسطار وحربتا وبوداي، بعد استهدافٍ طال حرش علي الطاهر في قضاء النبطية، ليست تفصيلاً أمنياً ولا “خرقاً” يُضاف إلى سجلٍّ طويل. إنها منهج: تثبيت قاعدة “التفاوض تحت القصف”، وإبقاء المنطقة في حالة شدّ أعصاب دائم، بحيث يصبح الهدوء امتيازاً مؤقتاً لا وضعاً طبيعياً. هكذا تُدار اللعبة: لا سلام بلا أثمان، ولا هدنة بلا شروط، ولا انتظار بلا رصاصٍ يضبط توقيته.


في هذا المناخ، بدا تحذير وليد جنبلاط من “منتصف آذار” كإنذارٍ مسنود بالتوقيت لا بالتحليل. حين يقرن السياسي موعداً محدداً بصورة تمثالٍ أسطوري ينفث النار، فهو لا يقدّم “مادة رمزية” لوسائل التواصل، بل يضع علامة حمراء على تقويم المرحلة. في المنطقة، المواعيد ليست زينة لغوية؛ هي مؤشرات إلى أن طبخة ما تقترب من النار، وأن نافذة الاحتمالات تضيق بسرعة.


الدولة اللبنانية تحاول، في المقابل، أن تبدو ممسكة بزمامها ولو بالحد الأدنى. لقاء رئيس الحكومة نواف سلام بالسفير الأميركي ميشال عيسى في السراي قُرئ في إطار دعم الجيش، وتوقيته واضح قبل مؤتمر باريس المقرر في 5 آذار. وفي المساء، يظهر سلام عبر تلفزيون لبنان لتثبيت “الثوابت”. لكن المفارقة أن لبنان يُجبر على ترداد ثوابته في لحظة تُصاغ فيها التحولات الكبرى خارج حدوده. يصبح خطاب الاستقرار أشبه بعملية تبريد للجمهور وإرسال إشارات طمأنة للعواصم، أكثر منه ترجمة لسيادة تتحكم بمسار الأحداث.


أما في عُمان، فالمشهد مختلف الشكل، ثابت الجوهر. إيران تحاول أن تفتح ثغرة عبر الاقتصاد، فتقدّم إغراءات استثمارية تخاطب منطق دونالد ترامب كرجل صفقات. تريد صفقة يمكن تسويقها أميركياً كنصرٍ دبلوماسي واستثماري، مقابل أن تُلاقى إلى منتصف الطريق في النووي والبالستي. إنها مناورة ذكية: لا تُخاطب واشنطن بما تقول إنها تؤمن به، بل بما تحبّ أن تربح منه. غير أن نتنياهو يقرأ المفاوضات كخطرٍ بحد ذاته. في نظره، أي حل “وسطي” هو إنعاش لنفوذ إيران الإقليمي ولو بجرعاتٍ محسوبة، ولذلك يدفع باتجاه ضربةٍ لا تُرسل رسالة فحسب، بل تسعى إلى إطالة “عمر العجز” الإيراني لسنوات. ومن هنا يلتقي حساب تل أبيب مع مزاج “صقور” الإدارة الأميركية: حين تُفتح شهية القوة، تصبح التسويات عندهم تنازلات لا استثمارات.


وسط هذا الانقسام الإقليمي، اكتسب موقف حزب الله دلالة سياسية استثنائية: التلويح بعدم التدخل إذا كانت الضربة على إيران “محدودة”. للمرة الأولى تُقال، بهذا الوضوح، إمكانية فصل الساحة اللبنانية عن ساحة الإقليم ولو بشروط. هذه الإشارة تمنح الدولة هامشاً ديبلوماسياً كانت تحتاجه لتقول إن لبنان ليس ملحقاً آلياً بكل مواجهة. لكنها في الوقت نفسه هامش هشّ: لأن كلمة “محدودة” في قاموس الحروب مطّاطة، ولأن إسرائيل تُتقن توسيع المحدود تدريجاً حتى يصبح واقعاً جديداً، ولأن أي انزلاق صغير قادر على إعادة لبنان إلى قلب النار بلا مقدمات.


وعلى وقع كل ذلك، الداخل يبدو مُجمَّداً ظاهرياً لكنه يتحرك في المكان الأخطر: الدستور. بعد اجتماعات القاهرة التحضيرية لمؤتمر دعم الجيش، واجتماع “الميكانيزم” في الناقورة، وإعلان استعداد لبنان للدخول في مبادرة الممر الاقتصادي (الهند–الشرق الأوسط–أوروبا)، بقيت الحركة السياسية أشبه بإدارة انتظار. لكن التطور الأثقل دلالة كان توقيع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام مرسوم فتح دورة استثنائية لمجلس النواب في النصف الأول من آذار. هذا ليس إجراءً تقنياً محضاً؛ إنه تجهيز “مخرج طوارئ” دستوري قبل اتضاح الاتجاه الإقليمي. فتح الدورة في هذا التوقيت يعني توفير غطاء لأي قرار استثنائي لاحقاً… بما في ذلك التمديد للمجلس الحالي إذا فُرض الأمر تحت ضغط التطورات. بعبارة أكثر صراحة: السلطة تقول للناس “لا تأجيل”، لكنها تُبقي باب التأجيل مشرّعاً على مستوى الأدوات.


هنا يصبح تصريح وزير الداخلية أحمد الحجار—عن ارتفاع احتمال إجراء الانتخابات في موعدها وبلوغ عدد المرشحين 30 وعدم ورود أي طلب خارجي بالتأجيل—جزءاً من لغة الطمأنة. غير أن التجربة اللبنانية تقول إن التأجيل لا يحتاج دائماً إلى “طلب خارجي” صريح؛ يكفي أن تتبدل حرارة الإقليم، أو أن تُرفع لافتة “الضرورات الأمنية”، حتى تُسحب المواعيد من التداول. وفي موازاة ذلك صدر المرسوم الرقم 2591 بتاريخ 26 شباط 2026 داعياً إلى عقد استثنائي لمجلس النواب من 2 آذار حتى 16 منه، ببرنامج أعمال يشمل مشاريع محالة وأخرى ستُحال وما يقرره مكتب المجلس، فيما أحيل اقتراح العفو العام إلى اللجان المشتركة. إنها مرحلة تنشيط تشريعي قد تكون مقدمة لتسويات، وقد تكون مجرد تجهيز أرضية قانونية لما قد يُفرض لاحقاً.


على الخط المعيشي، ترأس سلام جلسة لمجلس الوزراء عنوانها تأمين موارد إضافية للخزينة وتفعيل الجباية المالية والجمركية ومكافحة التهرب الضريبي. كما تقرر تشكيل لجنة وزارية لإعداد خطة وطنية لترشيد استخدام الإنترنت وتطبيقاته للأطفال دون سن معينة. خطوات ضرورية، نعم، لكنها تبدو في لحظة كهذه كمن يرمم النوافذ فيما السقف مهدد بالعاصفة: قيمة كل إصلاح داخلي تتقلص حين تصبح البلاد رهينة قرارٍ إقليمي قد يقع أو لا يقع، وحين يُطلب من الدولة أن تدير الأزمات لا أن تمنعها.


ومن الجنوب، جاءت تحية رئيس الجمهورية لأبناء الجنوب عموماً ورميش خصوصاً على تشبثهم بأرضهم، مع توجيهات للوزارات لدعم مقومات الصمود، وإشارة إلى توسع انتشار الجيش وفتح باب التطوع. وعلى الأرض استكمل الجيش إجراءاته الدفاعية في منطقة “سردة” عبر تركيب أسلاك معدنية بمحاذاة الساتر الترابي على مسلك يُستخدم عادة للتوغلات من تلة الحمامص باتجاه جنوب الخيام. إنها تذكيرات يومية بأن الجنوب هو خط تماس دائم، وأن أي “هدوء” هناك يبقى تحت رحمة قرارٍ يأتي من خارج المعادلة اللبنانية.


يعيش لبنان يعيش مفارقة فاضحة: الخارج يفاوض ويجهّز في الوقت نفسه، والداخل يطمئن الناس إلى الاستحقاقات بينما يُحضّر، بهدوء، مخارج الطوارئ. إن نجحت صفقة مسقط، ستصل فاتورتها إلى بيروت على شكل شروطٍ قاسية وترتيبات جديدة. وإن وقعت الضربة، سيُطلب من بيروت أن “تلملم نفسها” سريعاً وتشرّع الضرورات باسم الاستقرار. وبين هذا وذاك، تُكتب السياسة اللبنانية بجملة واحدة: بلدٌ يحاول أن يبدو صاحب قرار… فيما القرار يمرّ فوقه لا منه.