يجري التعامل مع «الممرّات» كما لو أنها مشاريع إنقاذ سريعة: نوقّع أولاً، ثم نسأل لاحقاً أين يبدأ الطريق وأين ينتهي ومن يضع إشاراته. هكذا يدخل لبنان على خط مشروع IMEC بعقلية “فرصة اقتصادية” معزولة عن معناها الحقيقي: إعادة تركيب الخريطة الإقليمية بحيث تصبح إسرائيل عقدة العبور التي لا تُستثنى، ومركز الجاذبية الإلزامي للتجارة والطاقة، لا مجرد طرفٍ ضمن شبكة متوازنة.


الخطأ هنا ليس سوء تقديرٍ تقني. إنه سوء فهم لطبيعة المشروع نفسه. فحين يُسوَّق “الممر” بوصفه مسار شحنٍ وتبادلٍ وربطٍ لوجستي، يُخفي في داخله وظيفة سياسية: تحويل الجغرافيا إلى قرار، والقرار إلى تبعية. وإذا كان الاندفاع اللبناني ناتجاً من جهلٍ بكلفة التموضع داخل هذه الهندسة، فالمصيبة أن الدولة تُقامر على أوهام “عوائد” لا تملك ضماناتها. وإذا كان الاندفاع استجابةً لضغط خارجي يبحث عن إدخال لبنان في تطبيعٍ عبر الاقتصاد والخرائط لا عبر البيانات، فالمصيبة أكبر: يُطلب من لبنان أن يمرّ في ممرٍّ يبدّل وجهته قبل أن يحصّل أي مكسب.


ما يزيد الصورة قتامة أن النقاش الفعلي لا يبدو لبنان جزءاً من تفاصيله. فالمنطقة تُعاد هندستها على طاولات لا مكان لبيروت عليها، فيما تُدرس آليات التنفيذ والربط في سوريا: كيف يُستثمر الساحل على المتوسط، وكيف تُفتح الطرق البرية التي تصل البحر بعمق المشرق والخليج. هذه المقاربة وحدها تكفي لطرح سؤالٍ جارح: إذا كانت “شبكات العبور” تُصمَّم على أساس سوريا كممرّ، فما الذي يبقى للبنان؟ وما مصير مرافئه وشواطئه وشراكاته الغازية التي يُفترض أنها رصيد سيادي قبل أن تكون استثماراً؟


ضمن هذا المناخ، تتردّد معطيات عن اتجاهٍ لإعادة إحياء مرفأ طرابلس عبر تعميق حوضه ليستقبل سفن شحن أكبر، في مشروعٍ تعمل عليه شركة CMA-CGM الفرنسية. لكن تعميق الحوض ليس تفصيلاً هندسياً محايداً؛ إنه قرار وظيفة. وإذا لم تُستكمل هذه الخطوة بشبكة نقلٍ تجرّ البضائع من وإلى الداخل، فالمرفأ يبقى “واجهة محسّنة” بلا عضلات. لذا يُطرح، بالتوازي، ربط طرابلس بالساحل السوري بخط سكة حديد مخصص للبضائع، كما يُطرح أيضاً تحويل مطار القليعات إلى منصة للشحن الجوي أكثر منه مطاراً للرحلات التجارية التقليدية. أي أن لبنان يُعاد تعريفه — إن حصل — كقطعة من سلسلة خدمات لوجستية، لا كصاحب مشروع مستقل.


غير أن الصورة لا تتوقف عند طرابلس والقليعات. إذ تتحدث المعطيات المتداولة عن مسار تفاوضي توقّف مؤقتاً، في وقت تقود فيه المجموعة الفرنسية نفسها، برئاسة رودولف سعادة، مباحثات لتوسيع التعاون مع السلطات السورية في مرافئ الساحل والمطارات: من مطار حلب الدولي إلى منصات شحن قريبة من اللاذقية، وصولاً إلى أفكار عن طريق بري طويل يصل الساحل السوري بالعمق العربي عبر الأردن أو العراق. هنا يصبح واضحاً أن “العصب” الحقيقي للممرّات يُبنى حيث تتوافر قابلية الاستثمار وقرار الدولة، فيما لبنان يراوح بين رغبة في الالتحاق وعجز عن فرض شروطه.


دمشق، وفق ما يُتداول، تراهن على جذب استثمارات كبيرة من شركات أجنبية، بينها “موانئ دبي”، إلى جانب الدور الفرنسي. وفي المقابل، يبدو لبنان عاجزاً عن تقديم نفسه كمغناطيس استثماري مشابه: أزمته الداخلية، ترهّل المؤسسات، غياب الإصلاحات، وفوضى التشريع، كلها تجعل البلد أقل قدرة على المنافسة مهما كانت جغرافيته مغرية. وفي السياق نفسه، يُسجَّل حضور فرنسي متنامٍ عبر تعزيز دور خبراء وموظفين فرنسيين ضمن فرق استشارية تواكب رئاسة الحكومة ووزارة المالية، بما يوحي أن باريس لا تكتفي بالمراقبة، بل تمسك بخيوطٍ داخل غرفة القرار.


وعلى خط الطاقة، يعود الحديث عن ضغوط أميركية محتملة تطال مسار التنقيب عن النفط والغاز في المياه اللبنانية. الفكرة المطروحة — كما يجري تداولها — تقوم على ربط انخراط الشركات العالمية بمسار شبكة طاقة تمتد من اليونان وقبرص شمالاً إلى إسرائيل جنوباً، مع توقعات بإدخال لبنان وسوريا لاحقاً في هذا الإطار المتصل أيضاً بمصر والأردن، مقابل تهميش مشروعٍ موازٍ تتحرك عليه تركيا. هنا لا يعود الغاز ملفاً اقتصادياً فقط؛ يصبح “تذكرة دخول” إلى منظومة سياسية-طاقوية مشروطة.


في موازاة ذلك، يطفو نقاشٌ حساس حول مستقبل قطاعات النقل في لبنان، ولا سيما مع تسريبات تتعلق بإمكان بيع شركة طيران الشرق الأوسط. وتتقاطع هذه التسريبات مع أفكار منسوبة إلى حاكم مصرف لبنان كريم سعيد تتحدث عن ضرورة “تفعيل” أصول يملكها المصرف المركزي وتدرّ أموالاً — مثل الميدل إيست، كازينو لبنان، وبنك إنترا — عبر إعادة تقييمها مالياً ثم البحث عن مستثمرين. لكن سعيد، بحسب ما نُقل عن لقاءات مع سياسيين، نفى بدء أي مفاوضات مع CMA-CGM لبيع “الميدل إيست”، فيما تلتزم الشركة الفرنسية الصمت حيال ما يُشاع.


القصة ليست في اسم مرفأ أو مطار أو شركة طيران. بل في سؤالٍ واحد: هل يُسمح للبنان بأن يكون لاعباً يفاوض ويشترط ويوازن… أم يُراد له أن يكتفي بدور “الخدمة” داخل خرائط تُرسم خارج حدوده؟ حين تصبح الممرّات بديلاً عن السياسات، يتحول الاقتصاد إلى بوابة للتطويع، وتتحول الأصول العامة إلى أوراق تفاوض في سوقٍ لا يملك لبنان فيه السعر ولا قواعد اللعبة.