هناك فرق بين الانقاذ وإعادة التوظيف. لبنان لا يُنقَذ. بل يُعاد “تثبيته” داخل معادلة جديدة. والفرق كبير. الإنقاذ يفترض أن أحداً مهتمّ بك وبأزمَتك. أمّا التثبيت فيفترض أن أحداً مهتمّ بوظيفتك… وبألا تتحول إلى ثغرة في مشروع أكبر منك. وما يجري اليوم في الكواليس الدبلوماسية يشبه تماماً عملية إعادة إدخال لبنان إلى اللعبة، لا كبلدٍ يُكافأ، بل كبلدٍ يُكلَّف. كأن الرسالة غير المعلنة تقول: انتهى زمن الدولة التي تتفرّج على الإقليم وهي تتداعى… الآن إمّا أن تكون جزءاً من “النظام الجديد”، أو تبقى خارج السكة إلى أجلٍ غير مسمّى.


لهذا تبدو الطرق “غير مقفلة” كما تبدو للعامة. ليس لأن الأزمة انفرجت، بل لأن طريقة إدارتها تغيّرت. لم يعد السؤال: كيف نُسكّن لبنان؟ صار السؤال: كيف نمنع لبنان من تعطيل الخريطة؟ فالمنطقة تُعاد هندستها بمنطق مختلف: مرافئ، سلاسل إمداد، طاقة، ربط اقتصادي… ومعها ربط أمني. مشروع يمرّ يحتاج أرضاً لا تشتعل كل أسبوع. واستثمار يحتاج دولة لا تترنح عند أول اهتزاز. ومن هنا يبدأ دفتر الشروط.


أول عنوان في هذا الدفتر هو “ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا”. لا تتعاملي معه كخبر اقتصاد. هو إعلان تموضع. هو بطاقة انضمام إلى شبكة نفوذ. ليست سكة تجارة فقط، بل سكة سياسة. لأن من يضع الممر يضع معه قواعد المرور، ويحدّد من يدخل ومَن يُستبعد، ويُعيد ترتيب قيم المرافئ والطرق والخرائط. لبنان، وهو يعلن انضمامه، لا يقول “نريد فرصاً”. يقول: نريد مقعداً قبل أن يُقفل الباب. لكن الأهم أنه يحاول تحويل هذا الانضمام إلى ورقة مقايضة: نحن جاهزون لنكون عقدة مفيدة في مشروعكم… بشرط أن تُكفّ إسرائيل عن تحويل النار إلى وسيلة تفاوض دائمة، وبشرط احترام اتفاق تشرين الثاني 2024 بلا أعذار ولا التفافات. هنا تُفهم “الجزرة” اللبنانية: الدخول إلى مشروع الازدهار مقابل وقف الابتزاز بالنار.


غير أن هذا التموضع ليس حياداً. بل تموضع داخل مشهد يتقاطع مع رغبة إسرائيلية ملحّة ومع مصالح خليجية وأوروبية واندفاع هندي. أي أن لبنان إن دخل بلا شروط، سيدخل كملحق. وإن دخل بشروط، سيحاول أن يدخل كلاعبٍ صغير يفاوض على الحد الأدنى من الحماية. الفرق بين الاثنين هو الفرق بين مقعدٍ ومصيدة.


ثم جاءت الورقة التي لم تكن الدولة تضمنها بهذه الصيغة العلنية: إشارة حزب الله إلى عدم فتح جبهة لبنان إذا بقي الاشتباك الأميركي–الإيراني “محدوداً”. هذه ليست جملة عابرة. هذه نافذة. نافذة تقول إن فكرة “فصل الساحات” يمكن أن تتحول إلى خيار سياسي قابل للاستخدام، لا مجرد رغبة وطنية. الدولة التقطت الإشارة لأنها تمنحها أقوى سلاح تفاوضي تمتلكه اليوم: وعدٌ بتخفيف المخاطر على لبنان. وفي لغة العواصم، “خفض المخاطر” هو كلمة السر لأي تمويل وأي مشروع وأي ترتيب.


لكن لا أحد يوزّع الهدايا. الخارج يقرأ هذا الموقف كفرصة لتسريع المرحلة الثانية: توسيع انتشار الجيش شمال الليطاني، وتوسيع مسار حصر السلاح تدريجياً. شرطٌ واحد فقط يطفو تحت الكلام: لا شيء جدياً قبل إقفال الملف الإيراني، لأن الداخل اللبناني مربوط بالسقف الإقليمي. هذا ليس تحليلاً شعرياً، بل وصف هندسي للواقع: ما دام الإقليم مفتوحاً، سيبقى ملف السلاح بلا نقطة نهاية.


ومن هنا تأتي خطورة الحديث عن دور للميكانيزم شمال النهر. هذه ليست تفصيلة تنظيمية. هذه إشعار بأن المرحلة المقبلة—إذا انطلقت—ستكون “مؤطّرة” أميركياً. واشنطن لا تريد نتيجة فقط. تريد مساراً تحت السيطرة. تريد إيقاعاً مضبوطاً: متى يُدفع؟ متى يُهدَّأ؟ متى يُفتح التفاوض؟ ومتى يُغلق؟ لأن إدارة التحولات أخطر من التحولات نفسها.


بعدها جاءت القاهرة لتضع الختم السياسي على الاتجاه. اجتماع قائد الجيش ومدير عام قوى الأمن على هذا المستوى ليس لقاءً عابراً ولا تمرين تنسيق. في السياسة، الاجتماعات التحضيرية هي الدليل الأكثر صراحة على أن مؤتمر باريس في 5 آذار ليس موعداً للتصوير. إنه منصة تمويل ودعم لما يمكن تسميته بصراحة: “جيش المرحلة المقبلة”. أي جيش سيُطلب منه أن يحمل وظيفة وطنية وإقليمية في آن: تثبيت الاستقرار، الإمساك بالأرض، وتحمّل كلفة الضبط في مناطق حساسة، ليصبح الجيش “الضمانة القابلة للتمويل” في دفتر الشروط الجديد.


وهنا يُفهم ما قيل عن تفاهمات تبلورت بعد زيارة قائد الجيش رودولف هيكل إلى واشنطن. لا نتحدث عن وعدٍ أخلاقي. نتحدث عن معادلة مصالح صلبة: استقرار ممسوك أمنياً مقابل إدخال لبنان إلى مشاريع الازدهار الإقليمي. هذا ليس نظام مساعدات. هذا نظام “ربط”: التمويل مقابل وظيفة. الوظيفة مقابل تموضع. التموضع مقابل سلوك على الأرض. ومن يفشل في السلوك تُعاد كتابة شروطه، أو يُستبعد من الطاولة، أو يُترك في هامش الإقليم حيث لا مشاريع ولا ضمانات.


لذلك، لا يكفي أن نقول إن لبنان في “تأهّب إيجابي”. الأدق أنه في لحظة “تسعير”. تُسعَّر قدرته على ضبط ساحته. تُسعَّر درجة تحييده عن صدمات الإقليم. تُسعَّر قيمته اللوجستية والاقتصادية. ثم يُبنى عليها: ماذا يستحق؟ وماذا يدفع؟ واليوم التالي لحسم ملف إيران—تسوية كبرى أو ضربة كبرى—لن يكون يوماً للاحتفال. سيكون يوماً للتشغيل: ترتيبات أمنية عبر الميكانيزم، ثم مفاوضات مباشرة برعاية دولية وعربية، لإعادة تركيب قواعد اللعبة الداخلية على ميزان جديد.


حتى الحركة الفرنسية حول الممر ليست حماسة إنمائية بريئة. باريس تريد أن تكون داخل لحظة تأسيس خرائط النفوذ، لأن من يغيب عن التأسيس يُستدعى لاحقاً كمقاول. والممر نفسه ليس طريقاً للتجارة فقط. إنه منصة لإعادة إدخال إسرائيل في بنية الاقتصاد الإقليمي، ورفع قيمة المرافئ والطرق كأدوات ضغط، وتقديم الهند كلاعب صاعد في مواجهة الصين، وإعادة تشكيل المنافسة على خطوط عبور تاريخية. إنها حرب باردة اقتصادية… لكن نتائجها سياسية وأمنية مباشرة.


وهنا تأتي القراءة النخبوية الأصعب: كل شبكة تُنتج خصومات. كل تموضع يخلق أثماناً. السؤال ليس فقط: هل يدخل لبنان؟ السؤال: كيف يدخل؟ بضمانات تحميه من الابتزاز الإسرائيلي؟ بشروط تحفظ هامش القرار؟ أم يدخل كملفٍ قابل للتوجيه؟ وهل يستطيع أن يحجز موقعاً دون أن يتحول إلى واجهة في صراع مع شركاء إقليميين آخرين—تركيا وسوريا وغيرهما—يشعرون أن تغيير المسارات يستهدف نفوذهم؟


وفي الداخل، الانتخابات تتحرك كأنها استحقاق سيادي، لكنها في الواقع تعيش تحت سقف اللحظة الإقليمية. الترشيحات قد تتكاثر، اللوائح قد تتشكل، لكن قرار “اللحظة المناسبة” غالباً ما يُصاغ خارجياً، أو يُفرض داخلياً بذريعة الأمن. أيار ثابت على الورق… ومشروط في الواقع.


المهمّ أنّ لبنان يقف عند مفترقٍ حادّ: إمّا أن يحوّل هذا التموضع إلى صفقة متوازنة—انخراط اقتصادي مقابل ضمانات أمنية حقيقية وحدود واضحة للدور—وإمّا أن يكتشف أنه دخل “الإقليم الجديد” من بوابة الازدهار ليُعامل كبلد مطلوب منه التنفيذ، لا كبلد شريك في القرار. وبين الفرصة والفخ شعرة واحدة: القدرة على انتزاع ضمانات… لا الاكتفاء بوعود.