من يراقب حركة واشنطن على خطّ الحدود الجنوبية يلاحظ سريعاً أنّ «آلية الناقورة» لم تعد تُدار، في العقل الأميركي، كإجراءٍ تقني لتفادي الانفجار وضبط الاحتكاك. بعد الحرب الأخيرة، تبدّل المنهج: لم تعد الإدارة الأميركية تكتفي بإبقاء الاشتباك تحت سقفٍ محسوب، بل راحت تشتغل على إعادة تشكيل البيئة التي تُدار فيها الملفات أصلاً، بما يسمح—تدريجياً—بانتقال لبنان من التفاوض عبر وسيط وأطر أممية إلى نمط تواصلٍ مباشر بين عسكريين لبنانيين وإسرائيليين، ثم تثبيت هذا النمط كأنه “حلّ عملي” لا غنى عنه.


في الخلفية، يتصرف الفريق الأميركي المعني بالملف كأنه يحمل شكّاً دائماً تجاه الوفد اللبناني. ليس شكّاً مبنياً على قرائن ثابتة بقدر ما هو شعورٌ بأن ضباط الجيش اللبناني قد يحتفظون بتقديرات وخيارات لا يضعونها على الطاولة في الاجتماعات الرسمية. قد يكون هذا مجرّد انطباعٍ تفاوضي؛ لكنه، في الحسابات الأميركية، يصلح كبوابة لتبرير الانتقال إلى صيغة “أوضح” و“أكثر مباشرة”، أي صيغة تُقلّص هامش الوسيط وتجرّ الطرفين إلى تماسٍّ سياسي عبر مدخلٍ عسكري.


ولأن القفز إلى اللقاء المباشر يحتاج تمهيداً، بدأ العمل من المكان الأقل كلفة: اللغة. حين تُعاد صياغة مفردات البيانات، لا يكون الهدف تجميلاً خطابياً، بل تليين الحدود النفسية والسياسية. في هذا السياق، سُجّل أنّ الأميركيين لم يخفوا اعتبارهم أنّ تعديل القاموس الرسمي—وخصوصاً الابتعاد عن توصيفات صدامية عند الإشارة إلى إسرائيل—يشكل خطوة ضرورية “لتسهيل الحلول”. وبمعنى أدق: المطلوب كسر عتبةٍ رمزية قبل كسر العتبة العملية.


من هنا يمكن فهم سبب تجميد اجتماعات الناقورة لفترة طويلة. في بيروت، تسرّبت تفسيرات عديدة: مراجعة دور الفرنسيين، إعادة ترتيب حضور «اليونيفيل»، أفكار لإضافة وجوه سياسية أو دبلوماسية إلى الآلية، أو تحويلها إلى صيغة ثلاثية أوسع. لكن القراءة الأكثر حساسية تقول إن التجميد كان لحظة إعادة هندسة لا لحظة تعطيل: وقتٌ إضافي للبحث عن مخارج تُنتج مناخاً مناسباً لقناة عسكرية مباشرة بين لبنان وإسرائيل، من دون أن يُقال ذلك علناً بهذه الصراحة.


في المقابل، لم تبدُ إسرائيل متحفظة. على العكس، تعاملت مع الطرح كما لو أنه فرصة لتثبيت ما تريده منذ سنوات: تنسيق ميداني ثنائي خارج مظلة الأمم المتحدة. فالقناة المباشرة بالنسبة إليها ليست تفصيلاً إجرائياً، بل مكسب سياسي مزدوج: إزاحة «اليونيفيل» من موقع “الفلتر”، وتطبيع التواصل بوصفه ممارسة يومية تُدار بين جيشين، بحيث ينحدر النزاع من مستوى قضية سيادة وحدود واحتلال إلى مستوى “إدارة مواقع” و“ترتيبات أمنية” قابلة للتوسع.


ومع ركود الناقورة، جاء الاختبار الأكثر وضوحاً: دعوة لمشاركة ضباط لبنانيين في اجتماع تقني داخل الولايات المتحدة، في مقر القيادة المركزية الأميركية في تامبا – فلوريدا. اللافت لم يكن السفر بحد ذاته، بل صيغة الدعوة التي تضمنت إشارة إلى وجود ممثلين عن الجيش الإسرائيلي، وإلى أن النقاش سيكون مباشراً حول نقاط عالقة. هكذا صيغت المسألة كتمرين مهني “صريح”، تحت عنوان يوحي بالإغراء: توسيع انتشار الجيش اللبناني جنوباً، وكأن مقابل هذه “الهدية” هو رفع مستوى التواصل إلى لقاءٍ بلا وسيط.


لكن خطوة كهذه لا تمرّ في لبنان من دون غطاء سياسي، ولا يمكن للمؤسسة العسكرية أن تتحملها وحدها. لذلك وُضعت رئاسة الجمهورية في تفاصيل الدعوة. ووفق ما تداوله متابعون، كان موقف الرئيس جوزاف عون حاسماً في تثبيت خط أحمر: لا تفاوض مباشراً، والمرجعية تبقى التفاوض غير المباشر عبر الآلية القائمة، مع اعتماد السفير السابق سيمون كرم كقناة رئاسية تُدار من خلالها الاتصالات ذات الصلة، بما يعني عملياً رفض أي محاولة لرفع مستوى التواصل أو توسيع التمثيل بطريقة تفتح الباب لتطبيع أمني.


أمام هذا السقف، جرى التعاطي مع خيار المشاركة—إن حصل—بمنطق “الحد الأدنى”: المشاركة وفق قواعد الناقورة نفسها، أي بصيغة غير مباشرة قدر الإمكان ومن دون منح اللقاء معنى سياسياً جديداً. حتى التفاصيل الإجرائية حملت إشاراتها: عدد محدود من الضباط سُمِح لهم ببدء معاملات السفر، وتأشيرات تتأخر لاثنين، فيما سافر ثلاثة وحضروا الاجتماعات من دون أن يتكرّس، وفق ما توافر، تواصل مباشر حاسم يُبنى عليه.


على الأرض، كانت الصورة أكثر فجاجة. ضباط الجيش العاملون جنوب الليطاني سجلوا محاولات إسرائيلية مقصودة لفتح احتكاكٍ “مهذّب” عند نقاط التماس: حضور ضباط إسرائيليين ومحاولات جرّ النقاش إلى مسائل تقنية مرتبطة بالمواقع. الرد اللبناني لم يكن اشتباكاً ولا جدلاً، بل تجاهلاً مدروساً مع توثيق رسمي ورفع محاضر إلى القيادة. الهدف واضح: منع تحويل الاحتكاك إلى عادة، ومنع تحويل “الكلام التقني” إلى قنطرة نحو تنسيق دائم.


وفي بيروت، تزامن ذلك مع موجة كلام عن قناة سرية للتفاوض المباشر، برعاية أو بمشاركة شخصية “ثقيلة” من دون أن يتضح اسمها. هذا الكلام اشتعل بعد تداول معطيات في الإعلام الإسرائيلي، ثم دخل الداخل اللبناني في لعبة التخمين: من هو الشخص؟ ما موقعه؟ وهل الأمر تسريب لاختبار ردود الفعل أم قناة ظلّ تعمل بعيداً من المؤسسات؟ المفارقة أنّ بعض المرجعيات التي وصلها الكلام بدت غير مطلعة على ما يُقال، ما ترك الرواية معلقة بين الشائعة المقصودة والبالون الاختباري.


ومع كل ذلك، لا يمكن إنكار وجود محاولات لفتح مسار سياسي موازٍ للآلية العسكرية، وهو ما لا تخفي واشنطن رغبتها فيه. في هذا السياق تبرز قبرص كمنصة مطروحة: بداية بمدخل إنساني يتصل بالأسرى وتبادل التقديمات، ثم الانتقال إلى فكرة أكثر حساسية: استضافة لقاء على الأراضي القبرصية يضم ممثلين عن الطرفين مع الأميركيين، بصيغة عسكرية. وترافق ذلك مع أفكار عن انسحاب إسرائيلي محدود من بعض النقاط كاستجابة لمطلب لبناني، ضمن مقايضة غير معلنة ترتبط بسياق داخلي لبناني شديد التعقيد، على خلفية قرار الدولة السير بحصر السلاح شمال النهر.


غير أنّ تصريحات القيادة الإسرائيلية في الآونة الأخيرة—ولا سيما نبرة بنيامين نتنياهو الرافضة لأي انسحاب واعتباره المواقع في لبنان وسوريا جزءاً من “مستقبل إسرائيل”—بدت كفيلة بتبكير سقف الحقيقة: تل أبيب لا تُظهر استعداداً لتنازلٍ جوهري، مهما تبدلت المنصات أو تبدّلت العناوين. وعليه، تتبلور معادلة ثقيلة: إسرائيل تتمسك بمواقعها ولا تشتري وقتاً إلا لتثبيت أمر واقع، وواشنطن تعمل على دفع لبنان نحو “المباشر” خطوة خطوة، عبر تليين اللغة وتبديل القوالب وطرح اجتماعات خارج الناقورة وصناعة مناخ إعلامي يختبر الحساسية العامة.


الأخطر ليس أن يُفرض خيار دفعة واحدة، بل أن يتسلل كروتين: عنوان إعلامي هنا، اجتماع “تقني” هناك، احتكاك ميداني يبدو بريئاً، ثم يصبح كل ذلك مألوفاً قبل أن يُسمّى باسمه. وفي بلدٍ تُستنزف فيه الخطوط الحمراء بالتقسيط، قد يكون الامتحان الحقيقي الآن هو القدرة على منع تحوّل “إدارة الحدود” إلى بوابةٍ لإعادة تعريف العلاقة كلها—من دون انسحابٍ حقيقي، ومن دون ضماناتٍ حقيقية، ومن دون ثمنٍ يوازي ما يُطلب من لبنان أن يبتلعه.