ليس سهلاً الفصل بين مسار التفاوض ومسار الاستعداد للحرب. في الحالة الأميركية–الإيرانية، يبدوان متداخلين إلى درجة أن كل “إشارة تهدئة” تُقرأ كحركة تمويه، وكل “تشدد” يُقرأ كتمهيد لطرق الباب بالقوة. ولهذا تبدو المفاوضات وكأنها تُدار على طاولةٍ واحدة لها وجهان: على سطحها كلامٌ عن حلول تقنية وضمانات، وتحتها خرائط انتشار وتعزيزات ورسائل ردع تُرسل بلا توقف.

 شهدت جولة جنيف الأخيرة لحظة اختناق مبكرة. الجلسة الصباحية انزلقت سريعاً نحو حافة الانهيار حين تلقّى الإيرانيون الطروحات الأميركية بوصفها سقفاً لا يترك مجالاً للمساومة، بل يطلب نتيجةً نهائية قبل التفاوض على الطريق إليها. الرد الإيراني لم يأتِ على شكل اعتراضٍ لغوي، بل كتهديد عملي بمغادرة المسار كله.

عندها فُتح باب “الخط المباشر” بين مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. لم يكن الهدف تحسين أجواء النقاش بقدر ما كان منع سقوط الجولة من أساسها. تزامن ذلك مع تواصلٍ سريع إلى أعلى مستويات القرار في واشنطن عبر قنوات مقربة من ترامب، لوضعه أمام احتمال انسحاب الوفد الإيراني وما يستتبعه عادةً من انتقال الملف من غرف الفنادق إلى غرف العمليات.

الجولة المسائية انطلقت بنبرةٍ أميركية أقل حدّة، وخطابٍ أكثر قابلية للتدوير. لكن المفارقة أنّ هذا التحول لم يُطمئن طهران بقدر ما أثار داخلها سؤالاً معاكساً: هل المرونة هنا “تنازلٌ” أم “إدارة مشهد” تُخفّف الاحتكاك الإعلامي بينما تبقى الخيارات العسكرية جاهزة؟ في إيران، ثمّة من يصرّ على أن المشكلة لا تُختزل بالبرنامج النووي وحده، وأن توسيع الشروط بات يعكس رغبة في فرض قواعد سياسية وأمنية أوسع من ملف التخصيب.


الاتفاق على استكمال المفاوضات التقنية في فيينا يوم الإثنين لا يعني أن الطريق صار ممهداً، بل يعني انتقال الاشتباك من العموميات إلى النقاط التي تُفشل أي تفاهم إذا لم تُحل بدقة: أين يتم التخصيب؟ من يراقب؟ ما هي النسب؟ ما الذي يُعتبر خرقاً؟ وما الذي يُعتبر “هامشاً مقبولاً”؟

الموقف الأميركي يميل إلى منع أي تخصيب داخل الأراضي الإيرانية، مع طرح بديل يقوم على استيراد مواد مخصبة من الخارج للاستخدامات السلمية. في المقابل، تتمسك طهران بأن امتلاك دورة التخصيب وتكنولوجيتها داخل إيران ليس تفصيلاً تقنياً بل عنوان سيادة، وترفض أن تتحول إلى دولة تُدار حاجتها النووية عبر “استيراد” دائم.

وسطاء يتداولون أفكاراً هجينة: الاستفادة من خبرات إيران وقدراتها، لكن ضمن ترتيبات خارج حدودها أو ضمن شراكات دولية تُقيد القرار المنفرد. إلا أنّ إيران تتعامل بحذر مع أي صيغة قد تتحول إلى قاعدة ثابتة تُفرغ حقّها من مضمونه.


في الخلفية، تتحدث معلومات ديبلوماسية متقاطعة عن أن واشنطن استكملت جانباً كبيراً من التحضير العسكري، وعززت تموضعها بشكل يوحي بأن خيار القوة ليس مجرد تهويل. ويبقى الغامض—وفق هذه المقاربة—ليس “هل يوجد خيار عسكري”، بل ما إذا كان سيُستخدم، وبأي حجم، وضمن أي سقف زمني.


حتى عندما يقترب الطرفان من “صيغة عامة”، تظهر التفاصيل كاختبارٍ للثقة. واشنطن تدفع باتجاه تجريد إيران من قدرة التخصيب، بينما تعرض طهران خفض النسبة إلى حدودٍ محددة. وعندما يُطرح سؤال الثقة، تنتقل إيران إلى طبقات إضافية من الضمانات: رقابة دولية، إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بل وحتى فكرة شراكة دولية في عملية التخصيب. وفي المقابل، تُدخل طهران بنداً سياسياً حساساً: دور روسي ضامن، وهو ما يفتح الباب لنقاشات أطول ويزيد احتمال استهلاك الوقت.


يتوسع الاشتباك أيضاً إلى البرنامج الصاروخي. واشنطن تريد تفكيكاً أو تجميداً عميقاً لقدرات ترى فيها تهديداً مباشراً، فيما ترد إيران بأنها تعتبر الصواريخ عنصر دفاع لا يمكن التنازل عنه، مع استعداد لتقديم تعهدات تتعلق بالاستخدام. الأميركيون يرفعون سقف الطلب إلى مستوى وقف التطوير والإنتاج، والإيرانيون يقابلون ذلك بمطلب سياسي–أمني: تقليص الحضور العسكري الأميركي في المنطقة الذي يرونه تهديداً مستمراً.

وفي سياق الضغط المتبادل، تُطرح تقديرات أميركية عن حجم الترسانة البالستية الإيرانية والقدرة على إدامة إطلاق يومي لفترة طويلة، مع رهانٍ مقابل على أن الضربة الأولى—إن حصلت—يجب أن تُصيب “قدرة الإطلاق” لا مجرد مخازن متفرقة.


أما عقدة العقوبات فتكاد تكون موازية للعقدة النووية. إيران تريد رفعاً سريعاً وشاملاً منذ البداية، بما يشمل ما يتصل بمجلس الأمن، بينما تطرح واشنطن رفعاً تدريجياً مشروطاً بخطوات يمكن قياسها. المشكلة أن الآليات تبقى ضبابية: ما الذي سيرفع أولاً؟ ما حجم الأموال التي ستُفرج؟ كيف تضمن إيران أنها ستنتفع فعلاً من “رفعٍ اسمي” لا يترجم اقتصادياً؟ وفي المقابل، كيف تضمن واشنطن أن رفع العقوبات لن يتحول إلى ورقة بلا ثمن سياسي؟


على خطٍ موازٍ، تضغط إسرائيل باتجاه تسريع قرار الحرب، معتبرة أن إيران تستخدم المسار التفاوضي لتوسيع قدراتها وكسب الزمن. وتُطرح فكرة آذار كفترة حاسمة، في ظل حديث عن رغبة إيرانية في رفع وتيرة إنتاج الصواريخ. إسرائيل تتصرف على أساس أن المواجهة احتمال قريب: جهوزية داخلية، استعداد لتلقي رد قاسٍ، وخطط لضربات واسعة قد تمتد تداعياتها إلى ساحات إقليمية متعددة، بينها العراق ولبنان.


هذه ليست مفاوضات “حلّ نهائي” بقدر ما هي صراعٌ على من يكتب شروط المرحلة المقبلة. كل طرف يدخل الغرفة وهو يفاوض بعينٍ، ويقيس احتمالات الحرب بالعين الأخرى. لذلك قد يبدو الاتفاق قريباً في العناوين، بعيداً في آليات التنفيذ، ومعلّقاً دائماً على لحظةٍ واحدة: لحظة يقرر فيها أحد الطرفين أن التفاوض لم يعد يخدمه… وأن الرسالة الأقسى تُرسل من السماء لا من الورق.