المسجد الأقصى يقع في قلب القدس القديمة، على تلة تعرف عند اليهود باسم "جبل الهيكل". بالنسبة للمسلمين، يعتبر المسجد الأقصى ثالث أقدس مكان في الإسلام بعد مكة والمدينة، وتضم ساحة المسجد موقعين مقدسين: قبة الصخرة والمسجد الأقصى، وقد بُني في القرن الثامن الميلادي. ووفقًا للمصادر الإسلامية، يُعتبر المسجد المكان الذي صعد منه النبي محمد إلى السماء في ليلة الإسراء والمعراج.
المسجد الأقصى أكثر من مجرد مكان مقدس؛ إذ إنه رمز تاريخي وثقافي وديني يجسد ارتباط المسلمين العميق بفلسطين. يعتبر الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وله مكانة استثنائية في قلوب المسلمين. وعلى مدار قرون، كان محورًا للعديد من الصراعات ومحاولات الاستيلاء عليه، ما يجعله ليس مجرد معلم ديني فقط، بل ساحة لمواجهة مستمرة بين الاحتلال الإسرائيلي والهوية الفلسطينية.
في ظل التوترات السياسية الحالية في المنطقة، ووسط انشغال العالم بحروب ونزاعات، تتصاعد التهديدات التي تواجه المسجد الأقصى، خصوصاً من اليمين الصهيوني المتطرف في إسرائيل الذي يسعى إلى السيطرة الكاملة على هذا الموقع. وفيما يتابع العالم أحداثًا كبرى، مثل الحرب الروسية - الأوكرانية والتوترات في الشرق الأوسط، تستغل هذه الجماعات الانشغال الدولي لتحقيق أهدافها، مما يهدد بتفجير الأوضاع في القدس وفلسطين بشكل أوسع.
"حرب المساجد" ليست جديدة. فقد استهدف الاحتلال الإسرائيلي قرابة 40 مسجدًا عام 2021، ودمّر حوالي 110 مساجد خلال معركة "العصف المأكول" عام 2014. ومنذ بدء عملية الطوفان الأقصى في 7 تشرين الأول 2023، دمّر الجيش الإسرائيلي 611 مسجدًا تدميرًا كاملًا في قطاع غزة.
التحولات السياسية واليمين الصهيوني
منذ تولي حكومة بنيامين نتنياهو الجديدة، المدعومة من أحزاب يمينية متطرفة، زادت الضغوط على الفلسطينيين في القدس، بما في ذلك تضييق الوصول إلى المسجد الأقصى والاعتقالات المتكررة. التيار اليميني الصهيوني في إسرائيل، الذي يضم شخصيات بارزة مثل إيتمار بن غفير، يرى في الأقصى جزءًا من هوية "إسرائيل الكبرى" ويضغط لإزالة أي قيود تمنع اليهود من الصلاة فيه.
وإلى ذلك، يُعتبر مشروع تهويد القدس الشرقية والمناطق المحيطة بالأقصى جزءًا من مخطط أوسع يسعى إلى تغيير الهوية الديمغرافية والدينية للمدينة. وتُعتبر هذه المشاريع جزءًا من الأجندة الاستيطانية الإسرائيلية التي تُقابل برفض واسع من قبل الفلسطينيين والمجتمع الدولي.
تاريخ المسجد الأقصى
غالبًا ما يحدث التباس بين قبة الصخرة، وهي مزار، والمسجد الأقصى. إذ إنهما بناءان مختلفان في نفس الموقع المقدس. تطل ساحة المسجد الأقصى على حائط البراق، وهو مكان مقدس للصلاة عند اليهود. ويعتبر اليهود أن جبل الهيكل هو أقدس موقع في ديانتهم، حيث يعتقدون أن الملك سليمان بنى المعبد الأول هناك قبل 3000 عام. وتم تدمير المعبد الثاني في عام 70 م على يد الرومان. يُعتبر الموقع مهمًا أيضًا لدى المسيحيين نظرًا لارتباطه بأحداث في حياة السيد المسيح.
أهمية المسجد الأقصى في الصراع
يُطلق على المسجد الأقصى "الموقع الأكثر حساسية في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني" نظرًا لقداسته لكل من المسلمين واليهود.
بعد حرب الأيام الستة عام 1967 والسيطرة على القدس الشرقية، حيث يقع المسجد، أثيرت مخاوف بشأن السيطرة على هذا الموقع الذي يعد بالنسبة لكثير من الإسرائيليين مكانًا مقدسًا للغاية، بل أقدس موقع في اليهودية.
في مناسبات عديدة، أدت الاقتحامات التي يقودها المستوطنون اليهود إلى توترات كبيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما حدث عام 1996 عندما تم فتح نفق بالقرب من المسجد الأقصى، مما أدى إلى اشتباكات أودت بحياة أكثر من 80 شخصًا خلال ثلاثة أيام.
وفي عام 2000، قاد السياسي الإسرائيلي أرييل شارون، الذي كان زعيم المعارضة آنذاك، مجموعة من النواب الإسرائيليين إلى مجمع جبل الهيكل/الحرم الشريف، مما أشعل فتيل الانتفاضة الثانية المعروفة باسم "انتفاضة الأقصى".
خلال السنوات الأخيرة، تكررت المواجهات بين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية في المسجد الأقصى، خاصة خلال شهر رمضان، عندما استخدمت الشرطة الإسرائيلية الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية ضد المصلين الفلسطينيين داخل المسجد، مما أثار إدانات دولية.
وفي عام 2021، أسهمت المواجهات في الموقع في اندلاع حرب استمرت 10 أيام بين إسرائيل وقطاع غزة.
طوفان الأقصى
في 7 تشرين الأول 2023، شنّت حركة حماس هجومًا مفاجئًا واسع النطاق على إسرائيل بإطلاق وابل من الصواريخ من قطاع غزة. وأطلقت حماس على الهجوم اسم "عملية طوفان الأقصى" بهدف الثأر لما وصفته بالاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى.
مع تصاعد الوضع، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن "إسرائيل في حالة حرب" وستنتصر، وأعلنت القوات الإسرائيلية بدء "عملية السيوف الحديدية" للرد على الهجوم، حيث استهدفت الطائرات الإسرائيلية مواقع لحركة حماس في غزة.
هكذا، يظل المسجد الأقصى رمزًا دينيًا وجيوسياسيًا في الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، ومن الواضح أن أي تهديد للمسجد يؤدي إلى تصعيد واسع في المنطقة.
"حرب المساجد" و"المقدسات"
في 9 تشرين الأول 2024، أصدرت وزارة الأوقاف الفلسطينية بياناً كشفت فيه عن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة على المقدسات الإسلامية والمسيحية في قطاع غزة والضفة الغربية منذ بدء العدوان على غزة في أكتوبر 2023. وأوضحت الوزارة أن الجيش الاسرائيلي دمر 611 مسجداً بشكل كامل و214 بشكل جزئي في غزة، كما اقتحم المسجد الأقصى 262 مرة تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، حيث تمارس الشعائر اليهودية داخله بشكل يومي، كالسجود الملحمي والنفخ بالبوق، في مسعى واضح لفرض التقسيم الزماني والمكاني. إلى ذلك، استهدف الحرم الإبراهيمي بمنع رفع الأذان 747 مرة، وأقام المستوطنون نصب شمعدانات وأعلام إسرائيلية على الحرم الإبراهيمي وأقاموا احتفالات وصلوات تلمودية داخل أقسامه. كما تم تدمير ثلاث كنائس في غزة، وتعرض المسيحيون والحجاج لاعتداءات من جماعات دينية متطرفة في القدس، خاصة في منطقة كنيسة حبس المسيح، وتم منعهم من الوصول إلى كنيستي المهد والقيامة خلال الأعياد. إلى جانب ذلك، دمرت القوات الاسرائيلية عدداً من المقابر بشكل كامل في غزة، حيث تم نبش القبور وإخراج الجثث، في انتهاك صارخ لحرمة الموتى.
دعت وزارة الأوقاف، من خلال هذا البيان، المجتمع الدولي إلى التدخل لوقف هذه الانتهاكات المتزايدة التي تُعتبر من أخطر انتهاكات الاحتلال للمقدسات، خاصة في ظل العدوان المستمر على قطاع غزة.
وبدو أن هذا التقرير يضع الانتهاكات الإسرائيلية في سياق أوسع يتعلق بمحاولة تغيير الواقع الديني في القدس والضفة الغربية. تدمير المساجد والكنائس وانتهاك حرمة المقابر واقتحام الأقصى يظهر استراتيجية متعمدة للسيطرة على الرموز الدينية، ما يزيد من توتر الوضع في المنطقة. هذه التطورات تشير إلى تراجع في الحماية الدولية للأماكن المقدسة، وتفاقم الوضع قد يؤدي إلى ردود فعل دينية وشعبية واسعة.
تداعيات الصمت الدولي
في ظل انشغال الدول الكبرى بالحروب والنزاعات الحالية، يبدو أن الاهتمام الدولي بالوضع في فلسطين والقدس قد تراجع نسبيًا. هذا التراجع في الاهتمام يُشجع المتطرفين في إسرائيل على المضي قدمًا في مخططاتهم لفرض السيطرة على المسجد الأقصى.
ولكن رغم ذلك، لا يزال المسجد الأقصى يمثل رمزًا لفلسطين، ومحاولات السيطرة عليه تُعتبر استفزازًا قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع في أي لحظة. والتوترات المستمرة قد تؤدي إلى موجة جديدة من العنف إذا لم يتم التدخل الدولي لتهدئة الأوضاع والضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف التصعيد.
تُعد انتهاكات المقدسات الدينية، سواء الإسلامية أو المسيحية، اعتداءً على هوية وكرامة الشعوب التي تؤمن بها. المسجد الأقصى لا يمثل فقط رمزًا دينيًا، بل هو نقطة اشتعال للصراع الأوسع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. استهداف هذا الموقع وتدمير دور العبادة الأخرى يعكس استراتيجية إسرائيلية تهدف لتغيير الطابع الديني والديموغرافي للقدس وفلسطين.
انتهاك المقدسات لا يعني فقط تحطيم الحجر، بل هو تدمير للقيم والمشاعر الروحية والثقافية. في كل مرة يتم فيها استهداف المسجد الأقصى أو أي موقع ديني آخر، يكون ذلك تهديدًا للتعايش الإنساني وتفاقمًا للصراعات الدينية والسياسية. الصمت الدولي إزاء هذه الانتهاكات يزيد من تفاقم الوضع، ويجعل احتمالات اندلاع مواجهات واسعة النطاق أكثر واقعية. بات من الضروري أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته الأخلاقية والقانونية لحماية المقدسات، وفرض الضغط اللازم على إسرائيل للامتثال للقوانين الدولية التي تحمي دور العبادة. في النهاية، فإن أي تهديد للمقدسات لا يشكل مجرد استفزاز ديني، بل هو انتهاك صريح لحقوق الشعوب في ممارسة عقائدها وحماية رموزها.

ثقافة/فنون
المسجد الأقصى ... الفتيل الذي يهدد بإشعال إسرائيل دائماً
١٣ تشرين الأول ٢٠٢٤-
س
سيلين يزبك
