إبراهيم توتونجي


الومض والظل. على يديّ. الخط الأحمر. النزف في رأسي، في حلقي. في خيالي. على كفي. الخوف يتخطف في داخلي. يرتجّ القلب. يخفت. يهمد. ترتعش الانامل. حرب. 

«هذا الشر العظيم كيف أتى؟ كيف ظهر على الأرض؟ أي بذرة؟ أي جذر؟ يسلبنا الضوء وحياتنا». أردّد عبارات من الفيلم في رأسي. خط النمل، على حافة الشرفة، لا يكترث لأوجاع تضغط على أعلى رقبتي. أنوء بحمل أفكاري في هذا المساء. الخوف رابض. القلب جرذ مذعور على شجرة «نخل المروحة المكسيكية». الريح تتلاعب بالمراوح المضلّعة بهندسة مذهلة والمفتوحة على سماء صافية، فتتشكل ظلال تعكس ثلاث درجات لونية مختلفة للأخضر: داكن وبري وطازج. 

مشهد فرخ الطير المحروق في الغابة المتفحمة من فيلم تارنس مالك «الخط الأحمر الرفيع» (1998) لا يفارق الرأس الثقيلة. الحياة تقتل قبل أن تحلّق: «الطبيعة قاسية يا ستاروس»، يصرخ الكولونيل الباحث عن مجد شخصي في وجه قائد الكتيبة الذي رفض تعريض حياة جنوده لموت عبثي أشبه بانتحار جماعي. 

يحاول تفسير وجهة نظره: «أنظر الى تلك النباتات تلتفّ حول جذع الشجرة تريد أن تخنقها». تزوغ عيناي. أفتح كفي مجدداً للومض. «أين هو بريقك الآن؟». يبكي شون بين على قبر الجندي الذي لطالما حاباه وشعر تجاهه بمودّة من دون أن يصرّح: «لا زلت أرى بقايا الضوء فيك»، قال له القتيل، في لقائهما الأخير، وكان يدور حوله، يحدّثه، وتدور الكاميرا وراءه.

يدور رأسي. صور الرؤوس المقطوعة لأطفال غزة لا تفارقني منذ ليال. صارت الليالي بطعم الحداد وطعم الأرق. هذا ما يسمى: العلقم الروحي.

أهرب الى سينما تارنس مالك. أحب لغته السينمائية وأفكاره الروحانية وفلسفته المناوئة للشر وحركة الكاميرا في لقطات أفلامه.

كاميرا مالك ليست مرآة عاكسة. إنها روح. مثل روح البشر لها حكاية وتاريخ ومسار وفضاء. لها رغبة بالتواصل مع أرواح أخرى. تقترب من أرواح الممثلين من الزوايا كافة، تنحني معهم وهم يحضنون بعضهم البعض، على السرير، يتلمسون شعراً منثوراً تطيره النسائم أو يلعبون بحواشي الستائر المخرمة. هي كاميرا نورانية تبحث دوما عن الضوء. تنتمي اليه. تحاكيه. في الغابات المخيفة، حيث تحيا الببغوات المبهرجة جنبا الى جنب مع الخفافيش، والثعابين على مقربة من أفخاذ الجنود المخلعة بالقنابل، والفراشات فوق قطرات الدماء المنسابة في الجداول، يبحث المخرج عن إجابات شافية، أو لعله يريد أن يعلق الأسئلة الى الأبد على أغصان الغابة، لتبقى ماثلة في وجوهنا: «هل خرابنا يفيد الأرض؟ يساعد العشب على النمو والشمس على الاشراق؟ هل الظلام في داخلنا أيضا».

ألتفت الى زهور اليوفوريا. تواجه انحدار الشمس الى مغيبها فتتوهّج بلونها الأحمر الناري. خط النمل يختفي وراء عيدانها المليئة بالشوك. عفية ناضحة ونضرة. واضحة على النقيض من أفكاري. فائرة، ليس مثل الأسى الساكن في حلقي، مثل مرارة باتت نكهة لا تفارق اللغة ولا الأنفاس ولا الريق.

«الحب من أين يأتي؟ من أشعل هذا اللهيب في داخلنا؟ لا يمكن لأي كان إخراجه أو هزيمته؟ كنت سجينا وانت من حررني».

لكن جاك سيتلقى بعد قليل رسالة من حبيبته التي لطالما ناجاها في دواخل نفسه.

تقول: «سامحني.. شعرت بوحدة قاتلة. يا صديقي في كل تلك السنوات المشرقة، ساعدني كي أتركك. انني أطلب الفراق. التقيت بشخص وأحببته في زمن غيابك».

أفكر في لون الغياب. الغياب رمادي والموت أسود. الغياب ضباب يجثو على الصدر ويخنق الرئتين والموت مياه داكنة سوداء. مثل بيروت بحيرة حزينة ملفوفة بالغياب. الشوارع. الساحات. الأزقة. الجسور. الشاطئ. السطوح. قلوب الناس. التعب. الغضب. الاستلاب. التمرد. الطغيان. انتظار الحرب. النسيم العابر في حشائش التلال البعيدة. صرخات التعذيب في السجون. صفقات التجار والاعلام والمجرمين. أوراق الشجر اليابسة في زوايا الأرصفة تطفو فوق مياه طينية. دموع أمهات انفجار المرفأ الحارقة في محاجر العيون. شعر الأصدقاء. نثرهم. الرثاء. البوستات. الانكفاء. الضياع.

بيروت مدينة للموت. منذورة للتلاشي ونحن لم نعد نقوى على عزف المزامير.

«من أنت كي تعيش في هذه الأشكال المختلفة؟ أنت مصدر كل شيء سيولد، وموتك قابض على كل شيء.. مجدك.. الرحمة.. السلام.. التفاهم.. الشجاعة.. القلب القانع»، يسرد الفيلم.

أنا لست عدمياً. أنا لست انتقامياً. أنا لست محارباً. أنا لست انتهازياً. أنا لست عليل النفس. انا لست مشوه الروح. أنا لست جباناً. أنا لست شجاعاً. أنا لست عدواً. أنا لست صديقاً. أنا أريد أن أحيا.. فقط أن أكون في خط النمل. أسعى. أن أتوهج حين يحتضنني الحب ويحمي ظهري ويضم صدري ويدفء رئتي ويطبع قبلة على عنقي، مثل اليوفوريا تحنو على نسائم اللذة في انتشاء الغياب. أن أحتفي باللون وأعرف أسماء كل درجاته وأبحث عنها، خلف الخشب المحروق والفراخ الجريحة والطين المتخثر. أن أستمع الى فتحية أحمد تغني للنجمة السهرانة وأتمايل طربا «يا الله». أن أذهب لموعد مع النسائم الجريحة تمر وحيدة بائسة على الحشائش عند هضاب الجنوب. أن أحرر النسيم والأمهات!

«الحرب لا تشرف الرجال. تحولهم الى كلاب.. تسمم الأرواح».

أتفقد رسائل الهاتف. أمي كانت تغسل. ثم تعثرت. وتألمت ضلوعها. «لا تذهبي الى المستشفى.. في المستشفى موت». أمي كانت تشاهد التلفاز وبكت من أجل مقتل الأطفال في فلسطين. وقالت: «الله يبرد قلب الأمهات.. الله يحرق قلوب القتلة». «لا تذهبي الى التلفاز.. الموت في التلفاز». أمي كانت تلعب بالأصداف على مائدة الطعام في الصالون البارد. تتذكر ايامها وتشتاق الى الغائبين من أبنائها. توشوش الأصداف. تتلقف هسهستها باهتمام. «لا تذهبي الى الأصداف.. الموت في الأصداف».

مثل درويش صوفي يتمرن ببطء على أداء رقصته. ألصق ذقني بحلقي. ثم أميّل جمجمتي ببطء شديد وأجعل رأسي يسبح في حركة دائرية مغلقة. أعيد الكرّة أكثر من مرة. ذات يوم بعيد، في بيروت. ولم يكن قد تبدّى تحوّلها الجديد إلى بحيرة من المياه الداكنة الغارقة بضباب رمادي، علّمني رجل كيف أمرّن عظام رقبتي لأخفف الألم. كان ذلك، قبل الزمن الذي حلّ فيه الجنون الكامل، وتحوّل هذا الرجل، تحديداً، للعمل حارساً للغابة التي تتفحم فيها الفراخ وتهاجم الخفافيش طيور اللغة الزاهية، وبات يدعو الى قطع الرقاب.

«القتل لا يشرّف الرجال.. يحوّلهم الى كلاب.. يسمم الأرواح»!، يستمر الفيلم